المقدمة
الدرس
الأول : هدف خلف الإنسان
الدرس الثالث : علامات المتقين وسيماهم
الدرس السادس : أهل القرآن الكريم
الدرس السابع : المتقون وعالم الغيب
الدرس الثامن : المتقون والدنيا
الدرس الحادي عشر : أحوال المتقين
الدرس الثاني عشر : المواعظ البالغة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا ونبينا
أبي القاسم محمد بن عبد الله وعلى آله الطيبين الطاهرين
وبعد،
إن الله سبحانه وتعالى خلق الانسان من روح وجسد وكما يحتاج هذا الجسد للغذاء فإن
روحه تحتاح أيضاً لذلك وإلا يختل التوازن عند الإنسان فيصبح جسداً بلا روح، لذلك لا
بد من الرجوع الى مدرسة أهل البيت (ع) لنزود هذه الروح بما تحتاح من الزاد حتى
تتلاءم في نشأتها مع الجسد المودعة فيه، فكان اختيار خطبة المتقين لسيد الموحدين
وإمام المتقين علي بن أبي طالب (ع) الذي تكلم عن صفات المتقين والسالكين الى الله
تعالى مبيناً صفاتهم وتفانيهم وشوقهم الى المحبوب الأوحد، الذي ينعكس ذلك على
تصرفاتهم بل وسكناتهم فتصبح ساعاتهم وايامهم كلها لله تعالى فيجدهم الله حيث يحب
ويفتقدهم حيث يكره، فكان لهذه الخطبة الجليلة أثرها على أصحابها هادية لهم ومحددة
طريقهم وخياراتهم.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من المتقين والمستمعين للموعظة والمتبعين لها إنه نعم المولى ونعم النصير.
وآخر دعوانا أن الحمد لله
رب العالمين
جمعية المعارف الإسلامية الثقافية
رُوِيَ أَنَّ صَاحِباً لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِين(ع)يُقَالُ لَهُ هَمَّامٌ كَانَ رَجُلًا عَابِداً فَقَالَ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ صِفْ لِيَ الْمُتَّقِينَ حَتَّى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ فَتَثَاقَلَ (ع)عَنْ جَوَابِهِ ثُمَّ قَالَ يَا هَمَّامُ اتَّقِ اللَّهَ وَأَحْسِنْ فَإِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ فَلَمْ يَقْنَعْ هَمَّامٌ بِهَذَا الْقَوْلِ حَتَّى عَزَمَ عَلَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ(ص)ثُمَّ قَال (ع)
أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى خَلَقَ الْخَلْقَ حِينَ خَلَقَهُمْ غَنِيّاً عَنْ طَاعَتِهِمْ آمِناً مِنْ مَعْصِيَتِهِمْ لِأَنَّهُ لَا تَضُرُّهُ مَعْصِيَةُ مَنْ عَصَاهُ وَلَا تَنْفَعُهُ طَاعَةُ مَنْ أَطَاعَهُ فَقَسَمَ بَيْنَهُمْ مَعَايِشَهُمْ وَوَضَعَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا مَوَاضِعَهُمْ فَالْمُتَّقُونَ فِيهَا هُمْ أَهْلُ الْفَضَائِلِ مَنْطِقُهُمُ الصَّوَابُ وَمَلْبَسُهُمُ الِاقْتِصَادُ وَمَشْيُهُمُ التَّوَاضُعُ غَضُّوا أَبْصَارَهُمْ عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَوَقَفُوا أَسْمَاعَهُمْ عَلَى الْعِلْمِ النَّافِعِ لَهُمْ نُزِّلَتْ أَنْفُسُهُمْ مِنْهُمْ فِي الْبَلَاءِ كَالَّتِي نُزِّلَتْ فِي الرَّخَاءِ وَلَوْ لَا الْأَجَلُ الَّذِي كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لَمْ تَسْتَقِرَّ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ طَرْفَةَ عَيْنٍ شَوْقاً إِلَى الثَّوَابِ وَ خَوْفاً مِنَ الْعِقَابِ عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أَنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ فَهُمْ وَالْجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِيهَا مُنَعَّمُونَ وَهُمْ وَالنَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ قُلُوبُهُمْ مَحْزُونَةٌ وَشُرُورُهُمْ مَأْمُونَةٌ وَأَجْسَادُهُمْ نَحِيفَةٌ وَحَاجَاتُهُمْ خَفِيفَةٌ وَأَنْفُسُهُمْ عَفِيفَةٌ صَبَرُوا أَيَّاماً قَصِيرَةً أَعْقَبَتْهُمْ رَاحَةً طَوِيلَةً تِجَارَةٌ مُرْبِحَةٌ يَسَّرَهَا لَهُمْ رَبُّهُمْ أَرَادَتْهُمُ الدُّنْيَا فَلَمْ يُرِيدُوهَا وَأَسَرَتْهُمْ فَفَدَوْا أَنْفُسَهُمْ مِنْهَا أَمَّا اللَّيْلَ فَصَافُّونَ أَقْدَامَهُمْ تَالِينَ لِأَجْزَاءِ الْقُرْآنِ يُرَتِّلُونَهَا تَرْتِيلًا يُحَزِّنُونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ وَيَسْتَثِيرُونَ بِهِ دَوَاءَ دَائِهِمْ فَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَشْوِيقٌ رَكَنُوا إِلَيْهَا طَمَعاً وَتَطَلَّعَتْ نُفُوسُهُمْ إِلَيْهَا شَوْقاً وَظَنُّوا أَنَّهَا نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ وَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَخْوِيفٌ أَصْغَوْا إِلَيْهَا مَسَامِعَ قُلُوبِهِمْ وَظَنُّوا أَنَّ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وَشَهِيقَهَا فِي أُصُولِ آذَانِهِمْ فَهُمْ حَانُونَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ مُفْتَرِشُونَ لِجِبَاهِهِمْ وَأَكُفِّهِمْ وَرُكَبِهِمْ وَأَطْرَافِ أَقْدَامِهِمْ يَطْلُبُونَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي فَكَاكِ رِقَابِهِمْ وَأَمَّا النَّهَارَ فَحُلَمَاءُ عُلَمَاءُ أَبْرَارٌ أَتْقِيَاءُ قَدْ بَرَاهُمُ الْخَوْفُ بَرْيَ الْقِدَاحِ يَنْظُرُ إِلَيْهِمُ النَّاظِرُ فَيَحْسَبُهُمْ مَرْضَى وَمَا بِالْقَوْمِ مِنْ مَرَضٍ وَيَقُولُ لَقَدْ خُولِطُوا وَلَقَدْ خَالَطَهُمْ أَمْرٌ عَظِيمٌ لَا يَرْضَوْنَ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الْقَلِيلَ وَلَا يَسْتَكْثِرُونَ الْكَثِيرَ فَهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ مُتَّهِمُونَ وَ مِنْ أَعْمَالِهِمْ مُشْفِقُونَ إِذَا زُكِّيَ أَحَدٌ مِنْهُمْ خَافَ مِمَّا يُقَالُ لَهُ فَيَقُولُ أَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْ غَيْرِي وَرَبِّي أَعْلَمُ بِي مِنِّي بِنَفْسِي اللَّهُمَّ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا يَقُولُونَ وَاجْعَلْنِي أَفْضَلَ مِمَّا يَظُنُّونَ وَاغْفِرْ لِي مَا لَا يَعْلَمُونَ فَمِنْ عَلَامَةِ أَحَدِهِمْ أَنَّكَ تَرَى لَهُ قُوَّةً فِي دِينٍ وَحَزْماً فِي لِينٍ وَإِيمَاناً فِي يَقِينٍ وَحِرْصاً فِي عِلْمٍ وَعِلْماً فِي حِلْمٍ وَ قَصْداً فِي غِنًى وَخُشُوعاً فِي عِبَادَةٍ وَتَجَمُّلًا فِي فَاقَةٍ وَصَبْراً فِي شِدَّةٍ وَطَلَباً فِي حَلَالٍ وَنَشَاطاً فِي هُدًى وَتَحَرُّجاً عَنْ طَمَعٍ يَعْمَلُ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ وَهُوَ عَلَى وَجَلٍ يُمْسِي وَهَمُّهُ الشُّكْرُ وَيُصْبِحُ وَهَمُّهُ الذِّكْرُ يَبِيتُ حَذِراً وَيُصْبِحُ فَرِحاً حَذِراً لِمَا حُذِّرَ مِنَ الْغَفْلَةِ وَفَرِحاً بِمَا أَصَابَ مِنَ الْفَضْلِ وَالرَّحْمَةِ إِنِ اسْتَصْعَبَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فِيمَا تَكْرَهُ لَمْ يُعْطِهَا سُؤْلَهَا فِيمَا تُحِبُّ قُرَّةُ عَيْنِهِ فِيمَا لَا يَزُولُ وَزَهَادَتُهُ فِيمَا لَا يَبْقَى يَمْزُجُ الْحِلْمَ بِالْعِلْمِ وَالْقَوْلَ بِالْعَمَلِ تَرَاهُ قَرِيباً أَمَلُهُ قَلِيلًا زَلَلُهُ خَاشِعاً قَلْبُهُ قَانِعَةً نَفْسُهُ مَنْزُوراً أَكْلُهُ سَهْلًا أَمْرُهُ حَرِيزاً دِينُهُ مَيِّتَةً شَهْوَتُهُ مَكْظُوماً غَيْظُهُ الْخَيْرُ مِنْهُ مَأْمُولٌ وَالشَّرُّ مِنْهُ مَأْمُونٌ إِنْ كَانَ فِي الْغَافِلِينَ كُتِبَ فِي الذَّاكِرِينَ وَإِنْ كَانَ فِي الذَّاكِرِينَ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ يَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَهُ وَيُعْطِي مَنْ حَرَمَهُ وَيَصِلُ مَنْ قَطَعَهُ بَعِيداً فُحْشُهُ لَيِّناً قَوْلُهُ غَائِباً مُنْكَرُهُ حَاضِراً مَعْرُوفُهُ مُقْبِلًا خَيْرُهُ مُدْبِراً شَرُّهُ فِي الزَّلَازِلِ وَقُورٌ وَفِي الْمَكَارِهِ صَبُورٌ وَفِي الرَّخَاءِ شَكُورٌ لَا يَحِيفُ عَلَى مَنْ يُبْغِضُ وَلَا يَأْثَمُ فِيمَنْ يُحِبُّ يَعْتَرِفُ بِالْحَقِّ قَبْلَ أَنْ يُشْهَدَ عَلَيْهِ لَا يُضِيعُ مَا اسْتُحْفِظَ وَلَا يَنْسَى مَا ذُكِّرَ وَلَا يُنَابِزُ بِالْأَلْقَابِ وَلَا يُضَارُّ بِالْجَارِ وَلَا يَشْمَتُ بِالْمَصَائِبِ وَلَا يَدْخُلُ فِي الْبَاطِلِ وَلَا يَخْرُجُ مِنَ الْحَقِّ إِنْ صَمَتَ لَمْ يَغُمَّهُ صَمْتُهُ وَإِنْ ضَحِكَ لَمْ يَعْلُ صَوْتُهُ وَإِنْ بُغِيَ عَلَيْهِ صَبَرَ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي يَنْتَقِمُ لَهُ نَفْسُهُ مِنْهُ فِي عَنَاءٍ وَالنَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ أَتْعَبَ نَفْسَهُ لِآخِرَتِهِ وَأَرَاحَ النَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ بُعْدُهُ عَمَّنْ تَبَاعَدَ عَنْهُ زُهْدٌ وَنَزَاهَةٌ وَدُنُوُّهُ مِمَّنْ دَنَا مِنْهُ لِينٌ وَرَحْمَةٌ لَيْسَ تَبَاعُدُهُ بِكِبْرٍ وَعَظَمَةٍ وَلَا دُنُوُّهُ بِمَكْرٍ وَخَدِيعَةٍ
قَالَ فَصَعِقَ هَمَّامٌ صَعْقَةً كَانَتْ نَفْسُهُ فِيهَا فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) : أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَخَافُهَا عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَهَكَذَا تَصْنَعُ الْمَوَاعِظُ الْبَالِغَةُ بِأَهْلِهَا.
فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ فَمَا بَالُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟
فَقَالَ (ع) :وَيْحَكَ إِنَّ لِكُلِّ أَجَلٍ وَقْتاً لَا يَعْدُوهُ وَسَبَباً لَا يَتَجَاوَزُهُ فَمَهْلًا لَا تَعُدْ لِمِثْلِهَا فَإِنَّمَا نَفَثَ الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِكَ.
فَإِنَّ اللهَ (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى) خَلَقَ الْخَلْقَ حِينَ خَلَقَهُمْ غَنِيّاً عَنْ طَاعَتِهِمْ آمِناً مِنْ مَعْصِيَتِهِمْ، لأنه لاَ تَضُرُّهُ مَعْصِيَةُ مَنْ عَصَاهُ، وَلاَ تَنْفَعُهُ طَاعَةُ مَنْ أَطَاعَهُ، فَقَسَمَ بَيْنَهُمْ مَعَايِشَهُمْ، وَوَضَعَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا مَوَاضِعَهُمْ.
مهّد الإمام هذه المقدّمة لأنه (ع) لما كان بصدد شرح حال المتقين تفصيلا حسبما اقترحه همام و كان ربما يسبق إلى الأوهام القاصرة أنّ ما يأتي به المتّقون من مزايا الأعمال و الصالحات و ما كلّفهم اللّه سبحانه به من محامد الخصال والقربات من أجل حاجة منه - تعالى عن ذلك - إليها ، قدّم هذه المقدّمة تنبيها على كونه سبحانه منزّها عن ذلك، متعاليا عن صفات النقص و الحاجة في الأزل كما في الأبد ، و أنه لم يكن غرضه تعالى من الخلق و الإيجاد جلب المنفعة له و دفع المضرّة عنه كما هو شأن البشر حيث يعملون ما يفتقرون إليه ويرفعون به ما بهم من نقص و حاجة ، و أمّا اللّه الحيّ القيّوم فهو الغنيّ الكامل المطلق في ذاته و صفاته و أفعاله : قال تعالى ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) [1] والله تعالى لم يخلق ما خلقه لتشديد سلطان ولا تخوّف من عواقب زمان ولا استعانة على ندّ مثاور ولا شريك مكاثر ولا ضدّ منافر (كما في الخطبة الرّابعة والستّين).
وهذا المدخل الى الخطبة يقتضينا الوقوف عند جملة أمور أشار إليها أمير المؤمنين (ع) .
إن عدم وجود غرض يعود إليه تعالى لا يعني عبثية الخلق والتي تنافي الحكمة الإلهية , قال تعالى (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ) [2] ، والعبث يطلق على الشيء الذي لا غاية حقيقية له، وهو يأتي في قبال الحكمة. إن الإنكار هنا بمعنى أنكم حسبتم أن لا حكمة في خلقكم، وأن ليس هناك غاية حكيمة.
إن أي فعل ـ نركز عليه ـ لا بدّ أن يكون باتجاه هدف معين، وطبيعي أن بعثة الأنبياء كانت تستهدف تكميل الإنسان. ومما صرحت به الشرائع أن الأنبياء جاؤوا ليعينوا الإنسان، ويأخذوا بيده إلى الكمال.
إن في حياة الإنسان ـ في الواقع ـ نوعاً من الخلل والنقص لا يمكن للإنسان الفردي، بل وحتى الإنسان الاجتماعي أن يسده بمعونة طاقات الأفراد العاديين، فيتعين عليه أن يستعين بالوحي .
ويلزمنا حينئذ أن نعود إلى القرآن الكريم ليحدثنا ـ بشكل أكثر تفصيلاً وأشد تعييناً ـ عن هدف الإنسان، وهل تحدث عن الهدف من خلق الإنسان؟ وهل ذكر لنا الهدف من بعثة الأنبياء؟ وهل تحدث عن الهدف الذي يعيش له الإنسان؟
القرآن الكريم يصرح في موضع منه: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [3] أي أن غاية خلق الإنسان والموجود الآخر المسمى بـ(الجن) هي العبادة.
فما معنى هذا الهدف؟ وما هي الفائدة التي تعود بها العبادة على الله؟ وهي حتماً ليست بذات فائدة له، لأن الله غني عن العالمين، لكن ما هي فائدتها العائدة على البشر ليخلق البشر لأجل العبادة.
وفي التوحيد بإسناده عن ابن أبي عمير قال: قلت لأبي الحسن موسى بن جعفر (ع) : ما معنى قول رسول الله(ص): “ اعملوا فكلٌّ ميسّر لما خلق له؟ فقال: إن الله عز وجل خلق الجن والإِنس ليعبدوه ولم يخلقهم ليعصوه وذلك قوله عز وجل: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) فيسَّر كلاً لما خلق له فويل لمن استحبَّ العمى على الهدى [4].
وفي العلل بإسناده إلى أبي عبد الله (ع) قال: خرج الحسين بن علي (ع) على أصحابه فقال: إن الله عز وجل ما خلق العباد إلا ليعرفوه، فإذا عرفوه عبدوه، فإذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة من سواه [5].
الجدير بالذكر أن هناك إشارات وردت في آيات عديدة من القرآن الكريم تبين الهدف من خلق الإنسان أو الكون ، وقد تبدو مختلفة ، ولكن بالنظرة الدقيقة نلاحظ أنها ترجع إلى حقيقة واحدة:
1 - في الآية (56) من سورة الذاريات يعتبر «العبادة» هي الهدف من خلق الجن والإنس (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ).
2 - وفي الآية (7) من سورة هود يضع امتحان الإنسان وتمحيصه كهدف لخلق السماوات والأرض: (وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً).
3 - في الآية (119) من سورة هود يقول : إن الرحمة الإلهية هي الهدف (وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ).
4 - وفي الآية (12) من سورة الطلاق اعتبر العلم والمعرفة بصفات الله هي الهدف (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً).
إن تدقيقا بسيطاً في هذه الآيات يرينا أن بعضها مقدمة للبعض الآخر، فالعلم والمعرفة مقدمة للعبودية، والعبادة هي الأخرى مقدمة للامتحان وتكامل الإنسان، وهذا مقدمة للاستفادة من رحمة الله.
الطاعة والمعصية يعودان على الإنسان نفسه
إن المتأمل في أمور الحياةِ وشؤون الأحياءِ يجِد فئاتٍ مِن النّاس تعيش ألوانًا من التعبِ والشقاء وتنفث صدورُها أنواعًا مِن الضّجَر والشّكوى، ضجرٌ وشقاء يعصِف بالأمانِ والاطمِئنان، ويُفقِد الراحةَ والسعادة، ويتلاشى معه الرّضا والسّكينة، نفوسٌ منغمِسةٌ في أضغانِها وأحقادِها وبؤسها وأنانيتها , ويعود المتأمل مرة أخرى ليرى فئات من الناس قد نعمت بهنيء العيش وفيوض الخير , كريمةٌ على نفوسها، كريمة على النّاس، طيّبة القلبِ سليمة الصدر طليقة المحيا . ما الذي فرق بين هاتين الفئتين ؟ إنها الطاعة والمعصية .
فالطاعة سكينة ورضا وحلاوة , والمعصية قلق ولا استقرار وتأفف , والطاعة سعة في الرزق ومحبة في قلوب المؤمنين , والمعاصي خلاف ذلك .
اختلاف الناس في المواهب والرزق
ورد في النص القرآني ما يشير إلى ذلك التفاوت: (وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم) [6] والمعنى أنّ الله عز وجل نفى التساوي بين الأفراد الذين خلقهم. ولا شك أنّ التفاضل في الرزق، والتفاوت في القدرة على التصرف بالمال يعتبران من السنن التكوينية وجزءاً لا يتجزأ من التصميم الإلهي للخلق والتكوين. ولكن هذا التفاضل التكويني، والاختلاف في القدرات العقلية والجسدية إنما يؤديان ثمارهما العملية على الصعيد الاجتماعي، إذا التزم الأفراد بتطبيق مفردات الشريعة الإسلامية فحسب؛ وإلاّ أصبحت تلك الاختلافات من موارد انعدام العدالة الاجتماعية.
وفي ضوء ذلك، جعل الإسلام في أموال الأغنياء حقاً ثابتاً للفقراء، وبذلك فهو لم يلغِ التفاضل الاجتماعي، بل وضع له ضريبة ثابتة تدخل في دائرة منفعة الأفراد الذين لم يوفقوا اقتصادياً واجتماعياً.
إن الاخـتلاف في الاستعدادات ينبغي أن يوظف لخدمة مسيرة البناء, كما في اخـتـلاف طـبيعة أعضاء بدن الإنسان أو أجزاء الوردة , فمع تفاوتها إلا أنها ليست متزاحمة , بل إن البعض يعاضد البعض الآخر وصولا للعمل التام على أكمل وجه
وإلى هذا الأمر في خلق الله أشار أمير المؤمنين بقوله (و قسّم بينهم معيشتهم) وما يعيشون به في الحياة الدّنيا من أنواع الرّزق و الخير و المنافع و النعماء ، و وضع كلا منهم موضعه من الفقر و اليسار و الغنى و الافتقار و السعة و الإقتار على ما يقتضيه حكمته البالغة و توجبه المصلحة الكاملة كما أشير إليه في قوله عزّ وجلّ ( نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ) [7] .
وهذا الأمر يبتني على حكمة وليس تفاضلا عبثياً؛ ففي الحديث القدسي, «إن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر, ومن عبادي من لا يصلحه إلا الغنى ».
وقد يكون ابتلاءً, فإن وجود التفاضل بين الناس مهم في عملية الابتلاء فلو كان بنو الإنسان جميعهم على نمط واحد ينالون قسطاً من عطاء الله متساوياً لتعطل الجزء الأكبر من الابتلاء بجميع تفاعلاته ولما ظهرت خفايا كل امرئ وما تكنه الصدور.
وفي ابتلاء الإنسان منافعٌ له ولغيره. فأن الابتلاء يقرب الإنسان من ربه, فيتضرع إلى الله, يقوم الليل, ويصوم النهار, ويتصدق على المساكين والفقراء, ويدعو الله أن يمن عليه ويفك كربته كما إن الابتلاء يكشف عن معدن الإنسان.
أن كل شيء من الناحية العقائدية تنتهي نسبته الى اللّه عز وجل , وكل موحد يعتقد إن منبع وأصل كل خير منه سبحانه وتعالى , ويردد ما تقوله الآية (26) من سورة آل عمران : ( بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ).
وقد أعطت الأحاديث والروايات أهمية استثنائية للسعي في طلب الرزق المصحوب بالتقوى , وحتى روي عن الإمام الصادق (ع) انه قال : «لا تكسلوا في طلب معايشكم , فان آباءنا كانوا يركضون فيها ويطلبونها» [8] .
وروي عنه ايضا: الكاد على عياله كالمجاهد في سبيل اللّه [9].
وذكر ان من جملة من لا يستجاب لهم الدعاء اولئك الذين تركوا طلب الرزق على ما لهم من استطاعة , وانزووا في زوايا بيوتهم يدعون اللّه أن يرزقهم.
فالسعي والعمل الصحيح البعيد عن اي إفراط او تفريط, هو أساس كسب الرزق, ولعل هـذا الأمر هـو الذي دفع امير المؤمنين (ع) في كلماته القصار في تقديم ذكر الرزق الذي يطلبه الإنسان على الرزق الذي يطلب الإنسان , حيث قال: يا ابن آدم, الرزق رزقان: رزق تطلبه, ورزق يطلبك [10].
والابتلاء بالشر مفهوم إجمالاً ويمكن مواجهته بالانتباه والثبات حتى تنقشع غيوم الشدة، أما أن يبتلي المرء بالخير فهنا الامتحان الملتبس، فالكثيرون وهم ينغمسون في طيبات الخير لا يحسبون أنهم مبتلون ولذا تتراخى أعصابهم إلى حد غياب اليقظة والحذر، ويرتكبون أغلظ الأخطاء وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً .. !
غير أن همّ المؤمن الحق وهو يتقلب بين نار المصيبة ورخاء النعمة يجب أن ينصب دائماً على التماس رضا الله تعالى، مع الالتفات إلى أن كثرة الرزق عند البعض لا تعبر عن كرامة نالها من عند المنعم سبحانه، وكذلك خواء اليد لا يدل على هوان، يقول تعالى: ( فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول: ربي أكرمن .. وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول: ربي أهانن .. كلا! ) فالعبرة ليست بالمنع والعطاء ولكن بما يسفر عنه الابتلاء .. !
خلاصة الدرس
إن عدم وجود غرض يعود إليه تعالى لا يعني عبثية الخلق والتي تنافي الحكمة الإلهية , قال تعالى ( أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ )، والعبث يطلق على الشيء الذي لا غاية حقيقية له، وهو يأتي في قبال الحكمة.
إن تدقيقا بسيطاً في الآيات التي تتحدث عن أهداف الخلق يرينا أن بعضها مقدمة للبعض الآخر، فالعلم والمعرفة مقدمة للعبودية، والعبادة هي الأخرى مقدمة للامتحان وتكامل الإنسان، وهذا مقدمة للاستفادة من رحمة الله.
إن المتأمل في أمور الحياةِ وشؤون الأحياءِ يجِد فئاتٍ مِن النّاس تعيش ألوانًا من التعبِ والشقاء وتنفث صدورُها أنواعًا مِن الضّجَر والشّكوى.
فالطاعة سكينة ورضا وحلاوة , والمعصية قلق ولا استقرار وتأفف , والطاعة سعة في الرزق ومحبة في قلوب المؤمنين , والمعاصي خلاف ذلك .
السعي والعمل الصحيح البعيد عن اي إفراط او تفريط, هو أساس كسب الرزق, ولعل هـذا الأمر هـو الذي دفع أمير المؤمنين (ع) في كلماته القصار في تقديم ذكر الرزق الذي يطلبه الإنسان على الرزق الذي يطلب الإنسان.
الابتلاء بالشر مفهوم إجمالاً ويمكن مواجهته بالانتباه والثبات حتى تنقشع غيوم الشدة، أما أن يبتلي المرء بالخير فهنا الامتحان الملتبس، فالكثيرون وهم ينغمسون في طيبات الخير لا يحسبون أنهم مبتلون ولذا تتراخى أعصابهم حد غياب اليقظة والحذر ويرتكبون أغلظ الأخطاء وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.. !
أسئلة حول الدرس
1. هل لله غرض يعود إليه في خلق الإنسان ولماذا ؟
2. هل يفعل الله أمراً لا غرض من ورائه , ولماذا؟
3. ما هو هدف خلق الإنسان ؟
4. ما هي أسباب التفاوت في الرزق؟
5. بماذا يبتلي الله الناس , وما هو موقف المتقين؟
للحفظ
الإمام علي (ع) :
فَإِنَّ اللهَ (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى) خَلَقَ الْخَلْقَ حِينَ خَلَقَهُمْ غَنِيّاً عَنْ طَاعَتِهِمْ آمِناً مِنْ مَعْصِيَتِهِمْ، لأنه لاَ تَضُرُّهُ مَعْصِيَةُ مَنْ عَصَاهُ، وَلاَ تَنْفَعُهُ طَاعَةُ مَنْ أَطَاعَهُ، فَقَسَمَ بَيْنَهُمْ مَعَايِشَهُمْ، وَوَضَعَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا مَوَاضِعَهُمْ.
أشعار الحكمة
زيادة المرء في دنياه نقصـان
وربحه غير محض الخير خسـرانُ
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهـم
فطالما استعبد الإنسان إحسان
أقبل على النفس واستكمل فضائلها
فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان
فإن أساء مسيء فليكن لك فـي
عروض زلّته صفح وغفـران
واشدد يديك بحبل الله معتصماً
فإنه الركـن إن خانتك أركان
للمطالعة
سافر العالم العابد المرحوم الشيخ ميرزا أحمد الكافي اليزدي قاصداً زيارة مرقد الإمام الرضا (ع) وهناك طلب منه بعض المؤمنين أن يقيم عندهم، وبعد إصرارهم الشديد وافق على البقاء، وبعد مدة أُصيب بألم في عينيه وانتهى به الحال إلى العمى!! ـ
فراجع الأطباء في مشهد ولكنه لم يحصل على علاج يقول الشيخ: فلما يئست من الأطباء قلت لنفسي: إنني جئت إلى مدينة مشهد المقدسة لمجاورة الإمام الرضا (ع) كما جاور أخي الحاج ميرزا حسن مرقد الإمام علي (ع) في النجف الأشرف ثلاثين عاماً، فهل يصح أن أكون هنا فاقد البصر أعتمد العصا أو من يأخذ بيدي إلى حرم الرضا (ع) ؟
فذهبت إلى الحرم الرضوي الشريف - والكلام مازال للمرحوم الشيخ الكافي اليزدي- وجلست مقابل الضريح وجهاً لوجه مع الإمام الرضا (ع) متضرعاً إلى الله تبارك وتعالى وأنا أقول للإمام الولي: سيدي جاءك - العميان- من بلادهم فرجعوا من حضرتك وهم يُبصرون، وأنا جئتك ببصري لأجاورك فأصبحت أعمى، فهل هذا من حسن ضيافة الأولياء للغرباء يا مولاي؟! وهكذا وبينما كنت أبكي واتضرع وأعاتب، عرضت علي حالة غفوة فصرت كأني أرى راكباً يقترب مني على ناقة حتى دنا مني وقال: تحرك يا شيخ.ـ
ويستمر الشيخ اليزدي في سرد حكايته المؤثرة قائلاً: ـ
قلت: دعني أفصح عن ألمي وأملي
قال: تقصد ألم عينيك؟
قلت: نعم.
قال: خذ هذه العصابة وامسح بها عليهما، فأخذتها وأخرجت ما فيها ومسحت به على عيني، فانفتحتا وعاد إليهما النور.
ولم يعد للشيخ ألم العين إلى آخر عمره الذي قضاه في سبيل الله وخدمة الإسلام حيث انتقل إلى رحمة الله تعالى ليلة الإثنين من منتصف شهر رجب المبارك سنة 1389 للهجرة المصادف لوفاة سيدتنا زينب بنت علي(ع) وقيل: إنه في اللحظات الأخيرة من حياته - عند الإحتضار- قال ثلاثاً: «السلام عليك يا أبا عبد الله».
السلام عليك يا أبا عبدالله
السلام عليك يا أبا عبدالله
السلام عليك يا أبا عبدالله
روي أن صاحباً لأمير المؤمنين (ع) يقال له همام كان رجلا عابدا ، فقال يا أمير المؤمنين صف لي المتقين حتى كأني أنظر إليهم.
شرع الإمام (ع) في بيان أوصاف المتقين وأحوالهم بما يأتي الحديث عنه لاحقاً. ولكن قبل ذلك لابد من الحديث عن معنى التقوى وأهميتها ودورها في بناء الشخصية الإسلامية.
وعن أمير المؤمنين (ع) :
التقوى أزكى زراعة [11].
التقوى رأس الحسنات [12].
التقوى رئيس الأخلاق [13] .
التقوى مفتاح الصلاح [14].
التقوى ظاهره شرف الدنيا وباطنه شرف الآخرة [15].
يفترض الكثيرون أن التقوى من الوقاية، والوقاية تعني الحذر والاحتراز والبعد والاجتناب، فهي إذن سيرة عملية سلبية، وكلما كان الحذر أكثر كانت التقوى أكمل!
وعلى هذا التفسير تكون التقوى هي سيرة عملية سلبية لا إيجابية. ولهذا نرى أن المتظاهرين بالتقوى يحذرون التدخل في أي عمل، حرصاً على سلامة تقواهم!
ولا شك أن الحذر والاجتناب هو من أصول الحياة للإنسان العاقل، فإن الحياة لا تخلو عن مقارنة بين السلب والإيجاب والنفي والإثبات والفعل والترك والإقدام والإحجام. بل لا يصل الإنسان إلى الإيجاب إلا عن طريق السلب ولا إلى الإثبات إلا بعد النفي، وليست كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، إلا كلمة جامعة بين النفي والإثبات، ولا يمكن إثبات التوحيد إلا بعد نفي ما سوى الله تعالى. ولذلك نرى أن الإيمان والكفر مقترنان والطاعة والعصيان ملتزمان، أي أن كل طاعة يقابلها معصية، وكل إيمان يقابله كفر: (... فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى..).
ولكن البعد والنفي والعصيان والكفر لا تصح إلا للعبور إلى أضدادها، أي القرب والإيمان، فالسيرة العملية السلبية بلا حدود ولا قيود ولا أهداف، ليست مقدسة ولا يحمد عقباها.
(.. ذمتي بما أقول رهينة، وأنا به زعيم! إن من صرحت له العبر عما بين يديه من المثلات حجزه التقوى عن التقحم في الشبهات.. ألا وإن الخطايا خيل شُمس حمل عليها راكبها وخلعت لجمها فتقحمت بهم في النار... ألا وإن التقوى مطايا ذُلُل حمل عليها راكبها وأعطوا أزمتها فأوردتهم الجنة..) [16]
فقد وصف الإمام (ع) التقوى في خطبته هذه بأنها: حالة روحية معنوية من آثارها ضبط النفس وامتلاك أزمتها، وأن من لوازم إتباع الهوى وترك التقوى هو انعدام الشخصية وضعف النفس أمام هواها وعند حركة شهواتها، وأن فاقد التقوى حينئذ يكون كراكب ضعيف لا إرادة له في تسيير مركبه، بل المركب هو الذي يسير حيث يشاء ويهوى، وأن من لوازم التقوى قوة الإرادة وامتلاك الشخصية المختارة، كراكب ماهر على فرس مدربة تسير به في الناحية التي يختارها بكل اقتدار وسلطة، فتطيعه الفرس بكل يسر.
فالتقوى في نهج البلاغة: (قوة روحية تتولد للإنسان من التمرين العملي الذي يحصل من الحذر المعقول من الذنوب). فالحذر المعقول والمنطقي يكون مقدمة للحصول على هذه الحالة الروحية، وهو - من ناحية أخرى - من لوازم حالة التقوى ونتائجها.
(.. إن تقوى الله حمت أولياء الله محارمه، وألزمت قلوبهم مخافته، حتى أسهرت لياليهم، وأظمأت هواجرهم) [17].
(فإن التقوى في اليوم الحرز والجنة، وفي غد الطريق إلى الجنة..) [18]
نرى أن الإمام (ع) قد عطف نظره في هذه الكلمات إلى الناحية الروحية والنفسية والمعنوية للتقوى وآثارها في الروح، بحيث تبعث في الإنسان الإحساس بحبِّ البر والطهر، والإحساس بالتذمر من الذنوب والأرجاس والأنجاس.
هناك كثير من الناس لا يفرقون بين (الوقاية) و(القيود) ولذلك فهم يفرون من التقوى باسم التحرر من القيود والخروج عن الحدود.. ولا شك أن الجدار الواقي يشترك مع السجن في أنهما كليهما مانعان، ولكن الجدار الواقي يمنع عن الخطر، في حين أن السجن يمنع عن التمتع بالنعم والمواهب المعدة للإنسان.
ويصرّح في بعض كلماته أن التقوى ليست قيوداً تمنع عن التحرر بل هي منبع الحريات الواقعية وأساسها ومنشؤها.
(.. فإن تقوى الله مفتاح سداد، وذخيرة معاد، وعتق من كل ملكة، ونجاة من كل هلكة..) [19] فالتقوى تهب للإنسان حرية معنوية، تحرره من أسر عبودية الهوى، وترفع عن رقبته حبال الحسد والحقد والطمع والشهوة، فنجد البعض يخضع للدنيا والمال والمقام والراحة ( فهو عبد لها ولمن في يده شيء منها ) بينما لا يخضع التقي وهو حر أبدا.
التقوى تقي الإنسان، والإنسان يحافظ عليها
بل يؤكد الإمام (ع) على أن التقوى وثيقة تضمن للإنسان نوعاً من الأمن من الزلل والفتن، وفي نفس الوقت يلفت نظر الإنسان إلى أنه أيضاً يجب عليه أن لا يغفل لحظة عن حراسة التقوى ، فإن التقوى وإن كانت واقية للإنسان فمع ذلك يجب على الإنسان أيضاً أن يكون واقياً لها بنوع من المحافظة المتقابلة بين الإنسان والثياب، إذ الإنسان يحافظ عليها من التمزق والسرقة، وهي تحافظ على الإنسان من الحر والبرد والبأس والبؤس، ولقد عبّر القرآن الكريم أيضاً عن التقوى باللباس فقال: (.. وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ..). وقال الإمام علي (ع) بهذا الصدد:
(... أيقظوا بها نومكم واقطعوا بها يومكم وأشعروها قلوبكم وارحضوا بها ذنوبكم.. ألا فصونوها وتصوّنوا بها...) [20] .
وقال (ع) : (.. أوصيكم عباد الله بتقوى الله، فإنها حق الله عليكم، والموجبة على الله حقكم. وأن تستعينوا عليها بالله، وتستعينوا بها على الله..) [21]
إن للتقوى آثاراً عظيمة على الإنسان في الدنيا والآخرة ، وسنشير هنا إلى بعض الآثار الدنيوية :
إن الحياة في المساحة التي تدخل ضمن حدود اللّه حياة مباركة، كثيرة البركات، ميسّرة بعيدة عن التعقيدات، وعكس ذلك العيش خارج حدود التقوى، فهو مقرون بالعسر والضنك والشدة والتعقيد.
وقد قسّم اللّه تعالى للناس من الرحمة والبركة والفرج والتيسير والتسهيل في دائرة التقوى، وضمن حدود اللّه ما لا يرزقه احداً خارج هذه المساحة.
وإليك بعض الشواهد على ذلك من كتاب اللّه :
يقول تعالى : ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ) [22].
ويرزقهم بالتقوى من حيث لا يحتسبون. يقول تعالى: (وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) [23].
ويجعل اللّه تعالى لهم من أمرهم يسراً كلما واجهوا في حياتهم عسراً وشدّة. يقول تعالى : (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا) [24].
د ـ ويجعل اللّه تعالى للناس في حياتهم بالتقوى فرجاً من كل ضيق، ومهما ضاقت عليهم مسالك الحياة فرّجها اللّه تعالى لهم بالتقوى. يقول تعالى : (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً) [25] .
إن منطقة التقوى هي منطقة أمينة ينعم فيها الإنسان بالأمن والسلام في الدنيا والآخرة، الأمن الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في الدنيا يقوم غالباً على نوع العلاقة فيما بين الناس، فإذا كانت هذه العلاقة قائمة على أساس العدل والإنصاف والتقوى والتزام حدود اللّه، فإن الناس ينعمون في هذه المساحة بالأمن والسلام لا محالة.
عن رسول اللّه(ص) : «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يخونه» .
إذن هذه المنطقة في حياة الناس منطقة أمينة حصينة، إذا دخلها الناس أمن بعضهم من بعض، وسلم بعضهم من بعض، ففي هذه المنطقة كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله. وفي هذه المنطقة يأمن المسلم على نفسه من الغش والغدر والخيانة والكذب من ناحية أخيه المسلم، عن الإمام الصادق (ع) :«المسلم من سلم الناس من يده ولسانه» [26] .
خلاصة الدرس
يفترض الكثيرون أن التقوى من الوقاية، والوقاية تعني الحذر والاحتراز والبعد والاجتناب، فهي إذن سيرة عملية سلبية، وكلما كان الحذر أكثر كانت التقوى أكمل!
وصف الإمام (ع) التقوى في خطة له بأنها: حالة روحية معنوية من آثارها ضبط النفس وامتلاك أزمتها، وأن من لوازم إتباع الهوى وترك التقوى هو انعدام الشخصية وضعف النفس أمام هواها وعند حركة شهواتها.
هناك كثير من الناس لا يفرقون بين (الوقاية) و(القيود) ولذلك فهم يفرون من التقوى باسم التحرر من القيود والخروج عن الحدود.. ولا شك أن الجدار الواقي يشترك مع السجن في أنهما كليهما مانعان، ولكن الجدار الواقي يمنع عن الخطر، في حين أن السجن يمنع عن التمتع بالنعم والمواهب المعدة للإنسان.
أن التقوى وثيقة تضمن للإنسان نوعاً من الأمن من الزلل والفتن، وفي نفس الوقت يلفت نظر الإنسان إلى أنه أيضاً يجب عليه أن لا يغفل لحظة عن حراسة التقوى.
إن للتقوى آثاراً عظيمة على الإنسان في الدنيا والآخرة، كالتيسير والتسهيل، والسلام والأمن بين الناس.
أسئلة حول الدرس
1. كيف يظهر اهتمام الإمام علي (ع) بالتقوى؟
2. ما معنى التقوى , وما هو المائز بين المعنى الإيجابي والآخر السلبي للتقوى؟
3. هل التقوى قيد أم وقاية , وضح ذلك ؟
4. ما معنى ان التقوى تقي الإنسان والإنسان يحافظ عليها ؟
5. ما هي آثار التقوى ؟
للحفظ
الإمام علي (ع) :
(... أيقظوا بها نومكم واقطعوا بها يومكم وأشعروها قلوبكم وارحضوا بها ذنوبكم.. ألا فصونوها وتصوّنوا بها...)
وقال (ع) :
(.. أوصيكم عباد الله بتقوى الله، فإنها حق الله عليكم، والموجبة على الله حقكم. وأن تستعينوا عليها بالله، وتستعينوا بها على الله..).
أشعار الحكمة
من يتّق الله يحمد في عواقبه
ويكفّ شرّ من غرّوا ومن هانوا
من استعان بغير الله فـي طـلب
فإن ناصره عجز وخـذلانُ
من سالم الناس يسلم من غوائلهم
وعاش وهو قرير العين جـذلانُ
من يزرع الشرّ يحصد من عواقبه
ندامة ولحصـد الـزرع إبّانُ
ومن رافق الرفق في كل الأمور فلم
يندم عليه ولم يذممه إنسـانُ
للمطالعة
روى فضيلة حجة الإسلام الشيخ محمدي - وهو من علماء مدينة مشهد المقدسة: أنه رافق المرجع الورع آية الله الشيخ بهجت حفظه الله شهر ربيع الأول سنة 1417 للهجرة إلى لقاء العظيم العارف آية الله الشيخ مرواريد رداً على زيارته له، فمما سمع من العالمين الجليلين قصة نقلها الشيخ بهجت أنه في سنوات سابقة التقى بخطيب من مدينة رشت الإيرانية فأخبره ذلك الخطيب الحسيني قائلاً: إنه كان ولا يزال عند ارتقائه المنبر يسلم أولاً على أبي عبد الله الحسين (ع) فإن سمع منه الجواب واصل قراءته للحاضرين، وإن لم يسمع الجواب نزل من المنبر واعتذر لهم.
يقول الشيخ بهجت: فسألته: كيف بلغت هذا المقام بحيث تسمع جواب سلامك من الإمام (ع) ؟
قال: كنت في السابق أصعد المنبر في بيت أحد المؤمنين وكان يصعد قبلي بساعة خطيب أفضل مني علماً وإلقاء وصوتاً وأنا أراقب نفسي، فكلما خطر في قلبي حسد تجاهه عاقبت نفسي بالإمتناع عن صعود المنبر أربعين يوماً وبهذه المراقبة والمحاسبة والمعاقبة روضت نفسي حتى أصبحت أسمع جواب سلامي على الحسين (ع) .
نسأل الله تعالى أن يوفقنا ويأخذ بأيدينا لنصل إلى هذا المقام الرفيع من القرب من الله تعالى .
الدرس الثالث : علامات المتقين وسيماهم
فَمِنْ عَلاَمَةِ أَحَدِهِمْ أَنَّكَ تَرَى لَهُ قُوَّةً فِي دِين، وَحَزْماً فِي لِين، وَإِيمَاناً فِي يَقِين، وَحِرْصاً فِي عِلْم، وَعِلْماً فِي حِلْم، وَقَصْداً فِي غِنىً، وَخُشُوعاً فِي عِبَادَة، وَتَجَمُّلاً فِي فَاقَة، وَصَبْراً فِي شِدَّة، وَطَلَباً فِي حَلاَل، وَنَشاطاً فِي هُدىً، وَتَحَرُّجاً عَنْ طَمَع.
يَعْمَلُ الأعْمَالَ الصَّالِحَةَ وَهُوَ عَلَى وَجَل، يُمْسِي وَهَمُّهُ الشُّكْرُ، وَيُصْبِحُ وَهَمُّهُ الذِّكْرُ، يَبِيتُ حَذِراً، وَيُصْبِحُ فَرِحاً، حَذِراً لَمَّا حُذِّرَ مِنَ الْغَفْلَةِ، وَفَرِحاً بِمَا أَصَابَ مِنَ الْفَضْلِ وَالرَّحْمَةِ.
هناك علامات ذكرها الإمام (ع) للمتقين ، تدل عليهم ويعرفون بها ، فما هي تلك العلامات , وما هي حدودها ودلالاتها ؟
( فمن علامة أحدهم أنك ترى له قوّة فى دين ) فتراه ثابتاً في دينه ، قوياً يقاوم وساوس شياطين الجن والإنس، لا يؤثّر فيه تشكيك المشكك و لا ينخدع بخداع المنحرفين .
وعن الإمام الصادق (ع) : «المؤمن أشد من الجبل والجبل يستقل منه بالفأس والمؤمن لايستقل على دينه» [27].
الحزم لا يعني العدائية. والسلوك الحازم ليس عدوانيا ولا توبيخيا ولا تهديديا ولا قاسيا ولا تهكميا. الحزم يختلف عن العدوانية، فأنت بالدفاع عن نفسك وإثبات وجودك لا تعتدي على حقوق الآخرين . الحزم يعني أن توصل ما تريد قوله إلى الآخرين بطريقة واضحة، مع احترام حقوقك ومشاعرك وحقوق الآخرين ومشاعرهم .
الحزم ضرورة في الأمور الدنيويّة والدينيّة ولابد من التشبث به ممزوجا باللين للخلق و عدم الفظاظة عليهم و هي فضيلة العدل في المعاملة مع الخلق. واللين قد يكون للتواضع المطلوب بقوله تعالى: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤمِنينَ) [28]. وقد يكون من مهانة و ضعف يقين، والأوّل هو المطلوب وهو المقارن للحزم في الدين ومصالح النفس والثاني رذيلة مخالف للحزم.
عن الإمام الرضا (ع) : إنّما هو الإسلام و الإيمان فوقه بدرجة و التقوى فوق الإيمان بدرجة ، و اليقين فوق التقوى بدرجة ، و لم يقسّم بين النّاس شيء أقلّ من اليقين ، قال : قلت : فأي شيء اليقين ؟ قال : التوكّل على اللّه و التسليم للّه، والرّضا بقضاء اللّه ، والتفويض إلى اللّه [29] .
فالمسلمون درجات في تدينهم يبدؤون بالإسلام ليصلوا إلى اليقين، واليقين هو الذي لا يساوره شك ولا تردد .
حرصا في طلب العلم النّافع في الآخرة والازدياد منه .
وقد قص الله علينا قصة موسى (ع) ، كيف سافر في البحر وتحمل المشاق لكي يتعلم بعض المسائل من الخضر (ع) فقال «هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا» [30].
والنبي(ص) قال: (من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين) فإنه لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون. ويقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم: ( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي) [31] فإن العلم نور وهداية والجهل ظلمة وضلالة وإنه مع الإيمان رفعة في الدنيا والآخرة ....
القصد في الغنى و هو فضيلة العدل في استعمال متاع الدنيا بحيث لا يقع في الإسراف أو التبذير .
فهو مع غناه مقتصد فى حركاته و سكناته و مصارف ماله بل جميع أفعاله وغناه لم يوجب طغيانه و خروجه عن القصد و تجاوزه عن الحدّ كما قال تعالى:(كَلَّا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى) [32] .
وقد وصف اللّه المؤمنين بذلك في قوله ( الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) [33] قال في مجمع البيان أي خاضعون متواضعون متذلّلون لا يرفعون أبصارهم عن مواضع سجودهم ولا يلتفتون يمينا و شمالا.
وروي أنّ النّبيّ (ص) رأى رجلا يعبث بلحيته في صلاته فقال : أما انّه لو خشع قلبه لخشعت جوارحه [34] .
وفي هذا دلالة على أنّ الخشوع في الصّلاة يكون بالقلب ويظهر على الجوارح، فأمّا بالقلب فهو أن يفرغ قلبه بجميع الهمّة لها والإعراض عمّا سواها فلا يكون فيه غير العبادة والمعبود، وأمّا بالجوارح فهو غضّ البصر والإقبال عليها وترك الالتفات والعبث.
يتعفّف ولا يظهر الحاجة في حال فقره، ويترك السّؤال ويستر ما هو عليه من الفقر.
وقد مدح اللّه سبحانه أصحاب هذه الصفة بذلك في قوله (لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) [35] .
وكانوا نحوا من أربعمائة من فقراء المهاجرين يسكنون صفّة مسجد رسول اللّه (ص) يستغرقون أوقاتهم بالتعلّم و العبادة و كانوا يخرجون في كلّ سريّة يبعثها رسول اللّه (ص) يظنّهم الجاهل بحالهم و باطن أمورهم أغنياء من التعفّف أي من أجل التعفّف و الامتناع من السّؤال و التجمّل فى اللّباس و السّتر لما هم عليه من الفقر و سوء الحال طلبا لرضوان اللّه و جزيل ثوابه تعرفهم بسيماهم بما يرى فيهم من علامة الفقر من رثاثة الحال و صفرة الوجه.
قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) [36] . وقد حث الشرع الحنيف على طلب الحلال وترك الحرام , والتقي هو الذي يطلب الرّزق من الحلال ويقتصر عليه ولا يطلبه من الحرام .
وفي رواية أخرى عنه(ص): « العبادة سبعون جزءاً ، وأفضلها جزءاً طلب الحلال » [37].
روى في الوسائل ج 17ـ ص45 عن الكلينيّ بإسناده عن أبي حمزة الثمالي عن أبى جعفر (ع) قال : قال رسول(ص)في حجة الوداع : ألا إنّ الرّوح الأمين نفث في روعي أنه لا تموت نفس حتى تستكمل رزقها فاتّقوا اللّه وأجملوا فى الطلب ولا يحملنكم استبطاء شيء من الرّزق أن تطلبوه بمعصية اللّه، فانّ اللّه تبارك وتعالى قسّم الأرزاق بين خلقه حلالا ولم يقسّمها حراما، فمن اتّقى وصبر آتاه اللّه برزقه من حلّه ومن هتك حجاب الستر وعجل فأخذه من غير حلّه قصّ به من رزقه الحلال وحوسب عليه يوم القيامة.
فيكون سلوكه لسبيل اللّه وإتيانه بالعبادات المشروعة الموصلة إلى رضوان اللّه سبحانه بطيب النفس وعلى وجه الخفّة والسهولة لا عن الكسل والتغافل، و ذلك ينشأ عن قوّة اليقين في ما وعد اللّه المتّقين من الجزاء الجميل والأجر العظيم.
في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين (ع) :«أكثر مصارع العقول تحت بروق المطامع »[38] ، وعنه (ع) :« أزرى بنفسه من استشعر الطمع، ورضي بالذل من كشف عن ضره، وهانت عليه نفسه من أمّر عليها لسانه » [39].
واستشعار الطمع بمعنى اتخاذه ديناً له وديدناً بحيث لا يلتزم بشيء إلا على أساس منفعته الخاصة. ومن كان كذلك فقد حقّر نفسه لأن الإنسان يقاس بأهدافه وأمانيه.
فلا يطمع المؤمن بما في أيدي الناس لعلمه بأنه من الرذائل النفسية ومنشأ المفاسد العظيمة، لأنه يورث الذل والاستخفاف والحقد والحسد والعداوة والغيبة وظهور الفضايح والمداهنة لأهل المعاصي وترك التوكل على الله والتضرع إليه، وعدم الرضا بقسمه... ومن هنا نلاحظ الرواية عن الإمام علي بن الحسين (ع) : «رأيت الخير كلّه قد اجتمع في قطع الطمع مما في أيدي الناس» [40] .
وقد سأل أحدهم الإمام الصادق (ع) عن الذي يثبت الإيمان ، فقال (ع) : «الورع» وسأله عن الذي يخرجه منه، قال (ع) : «الطمع»[41] .
خلاصة الدرس
هناك علامات ذكرها الإمام (ع) للمتقين:
قوّة فى دين
( فمن علامة أحدهم أنك ترى له قوّة فى دين ) فتراه ثابتاً في دنيه ، قوياً يقاوم وساوس شياطين الجن والإنس، لا يؤثّر فيه تشكيك المشكك و لا ينخدع بخداع المنحرفين .
وحزما في لين
الحزم يعني أن توصل ما تريد قوله إلى الآخرين بطريقة واضحة ، مع احترام حقوقك ومشاعرك وحقوق الآخرين ومشاعرهم.
وإيمانا في يقين
فالمسلمون درجات في تدينهم يبدؤون بالإسلام ليصلوا إلى اليقين ، واليقين هو الذي لا يساوره شك ولا تردد
حرصا في علم
حرصا في طلب العلم النّافع فى الآخرة و الازدياد منه .
وقصدا في غنى
القصد في الغنى و هو فضيلة العدل في استعمال متاع الدنيا بحيث لا يقع في الإسراف أو التبذير .
وخشوعاً في عبادة
إنّ الخشوع في الصّلاة يكون بالقلب و يظهر على الجوارح ، فأمّا بالقلب فهو أن يفرغ قلبه بجميع الهمّة لها و الإعراض عمّا سواها فلا يكون فيه غير العبادة و المعبود ، و أمّا بالجوارح فهو غضّ البصر والإقبال عليها و ترك الالتفات و العبث
وتجمّلا في فاقة
يتعفّف ولا يظهر الحاجة في حال فقره، و يترك السّؤال و يستر ما هو عليه من الفقر.
وطلبا فى حلال
وقد حث الشرع الحنيف على طلب الحلال وترك الحرام , والتقي هو الذي يطلب الرّزق من الحلال ويقتصر عليه ولا يطلبه من الحرام.
نشاطاً في هدى
فيكون سلوكه لسبيل اللّه و إتيانه بالعبادات المشروعة الموصلة إلى رضوان اللّه سبحانه بطيب النفس و على وجه الخفّة و السهولة لا عن كسل وتغافل.
تحرجاً عن طمع
واستشعار الطمع بمعنى اتخاذه ديناً له وديدناً بحيث لا يلتزم بشيء إلا على أساس منفعته الخاصة. ومن كان كذلك فقد حقّر نفسه لأن الإنسان يقاس بأهدافه وأمانيه.
أسئلة حول الدرس
1. أذكر عدداً من علامات المتقين .
2. ما هو الفارق بين الحزم والعدوانية؟
3. ما المقصود من الإيمان في يقين ؟
4. ما هو المقصود من قوله عليه السلام ونشاطاً في هدى ؟
5. لماذا كان الطمع سبباً للذلّ؟
للحفظ
عن الإمام علي (ع) :
« فَمِنْ عَلاَمَةِ أَحَدِهِمْ أَنَّكَ تَرَى لَهُ قُوَّةً فِي دِين، وَحَزْماً فِي لِين، وَإِيمَاناً فِي يَقِين، وَحِرْصاً فِي عِلْم، وَعِلْماً فِي حِلْم، وَقَصْداً فِي غِنىً، وَخُشُوعاً فِي عِبَادَة، وَتَجَمُّلاً فِي فَاقَة، وَصَبْراً فِي شِدَّة، وَطَلَباً فِي حَلاَل، وَنَشاطاً فِي هُدىً، وَتَحَرُّجاً عَنْ طَمَع.
يَعْمَلُ الاْعْمَالَ الصَّالِحَةَ وَهُوَ عَلَى وَجَل، يُمْسِي وَهَمُّهُ الشُّكْرُ، وَيُصْبِحُ وَهَمُّهُ الذِّكْرُ، يَبِيتُ حَذِراً، وَيُصْبِحُ فَرِحاً، حَذِراً لَمَّا حُذِّرَ مِنَ الْغَفْلَةِ، وَفَرِحاً بِمَا أَصَابَ مِنَ الْفَضْلِ وَالرَّحْمَةِ ».
أشعار الحكمة
دع التكاسل في الخيـرات تطلبها
فليس يسعد بالخيرات كسـلان
لا تحسبنّ سروراً دائماً أبداً
من سرّه زمـن ساءته أزمـان
كلّ الذنوب فإن الله يغفرهـا
إن شيّع العبد إخلاص وإيمان
وكل كسر فإن الله يجبره
وما لكسر قناة الدين جبران
للمطالعة
درس العلامة الشيخ مرتضى الأنصاري(رحمه الله) في بداية شبابه عند المرحوم شريف العلماء في حوزة كربلاء المقدسة، ثم عاد إلى بلدته - شوشتر- الإيرانية فلم ترضَ أمه برجوعه إلى كربلاء لمواصلة الدراسة- ولعل السبب الرئيس هو عدم تحمل الأم لفراق ولدها وخوفها عليه.
فألح الشيخ الأنصاري - المحب للعلم والدين- على والدته كثيراً، ولكن دون جدوى .
وأخيراً وافقت على الإستخارة بالقرآن الحكيم، فإن كانت الآية تكشف عن جودة ذهاب ولدها وافقت على سفره، وإلا فلا!
فاستخار الشيخ الأنصاري فظهرت الآية الكريمة: (ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين).
ففرح الشيخ كثيراً لهذا اللطف الإلهي وشكر الباري تعالى ووافقت أمه على سفره. فذهب الشيخ - أعلى الله مقامه- وصار بعد ذلك من كبار العلماء والمراجع المتقين الذين آلت اليهم الرئاسة الكبرى للمسلمين الشيعة في العالم
فانظر إلى كرم الله تعالى في من يخاف الله في الوالدين ويتجنب أذاهما ويتقي الله في مخالفتهما.
فَالْمُتَّقُونَ فِيهَا هُمْ أَهْلُ الْفَضَائِلِ: مَنْطِقُهُمُ الصَّوَابُ، وَمَلْبَسُهُمُ الاْقْتِصَادُ، وَمَشْيُهُمُ التَّوَاضُعُ. غَضُّوا أَبْصَارَهُم عَمَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِمْ، وَوَقَفُوا أَسْمَاعَهُمْ عَلَى الْعِلْمِ النَّافِعِ لَهُمْ.
قُلُوبُهُمْ مَحْزُونَةٌ، وَشُرُورُهُمْ مَأْمُونَةٌ، وَأَجْسَادُهُمْ نَحِيفَةٌ، وَحَاجَاتُهُمْ خَفِيفَةٌ، وَأَنْفُسُهُمْ عَفِيفَةٌ. صَبَرُوا أَيَّاماً قَصِيرَةً أَعْقَبَتْهُمْ رَاحَةً طَوِيلَةً، تِجَارَةٌ مَرْبِحَةٌ، يَسَّرَهَا لَهُمْ رَبُّهُم.
يَمْزُجُ الْحِلْمَ بِالْعِلْمِ، وَالْقَوْلَ بِالْعَمَل . تَرَاهُ قَرِيباً أَمَلُهُ، قَلِيلاً زَلَلُهُ، خَاشِعاً قَلْبُهُ، قَانِعَةً نَفْسُهُ، مَنْزُوراً أَكْلُهُ، سَهْلاً أَمْرُهُ، حَرِيزاً دِينُهُ، مَيِّتَةً شَهْوَتُهُ، مَكْظُوماً غُيْظُهُ.
لقد استطاع المتقون أن يملكوا جوارحهم ويسيطروا عليها ويفعّلوا نشاطها لكسب الآخرة، وقد فصّل الإمام (ع) ذلك وأشار إلى صفة كل جارحة من جوارحهم، في هذا المقطع الموجز والمليء بالمعاني التي ينبغي الوقوف عندها.
مَنْطِقُهُمُ الصَّوَابُ - بعيداً فحشه - ليّناً قوله - إِنْ صَمَتَ لَمْ يَغُمَّهُ صَمْتُهُ
إن اللسان من أصغر الجوارح وأخطرها على مصير الإنسان، ومن أصعب الجوارح ضبطاً وسيطرةً، والمتقون قد استطاعوا السيطرة على هذا اللسان، هذه السيطرة التي تظهر من خلال المفردات التالية :
1 - منطق صواب أو صمت
إن نطقوا فمنطقهم الصواب، فلا يسكتون عما ينبغي أن يقال فيكونون مفرّطين، و لا يقولون ما ينبغي أن يسكت عنه فيكونون مفرطين، «إن صمت لم يغمه صمته، وإن ضحك لم يعل صوته».
الإنسان بأمس الحاجة إلى ما يعالج همومه وغمومه وتخيلاته النفسية التى تقوده إلى الاضطراب والقلق النفسي و الصمت الواعي خير علاج لذلك .
والصمت المقصود هو الذي يرجع على الإنسان بمردود إيجابي في مختلف حياته الدنيوية و الاخروية.
وله مميزات وثمار ونتائج عديدة على مستوى:
التربية الفكرية : قال أبو الحسن (ع) : «من علامات الفقه العلم والحلم والصمت، إن الصمت باب من أبواب الحكمة ، إن الصمت يكسب المحبة إنه دليل على كل خير» [42] .
التربية الروحية : لأن له مدخلية كبيرة في تطهير القلب وتهذيب النفس الأمارة بالسوء ومقدمة للعبادة بل من أفضل العبادات حيث يحقق الهدف للعبادة . ففي ( ثواب الأعمال ) و( الخصال ) عن أبي عبد الله (ع) قال : ما عبد الله بشيء مثل الصمت ، والمشي إلى بيت الله [43] .
التربية الاجتماعية: والصمت كما يربي الفرد المسلم التربية الحسنة كذلك يهذب المجتمع ويربيه من خلال تربية الأفراد ويتدخل في كثير من مشاكل المجتمع ليحلها فهو يحقق للمؤمن الصامت الصفات التي يتقدم بها في المجتمع ويقودهم إلى شاطئ الأمان والسلام: فعن الإمام علي (ع) في نهج البلاغة: بكثرة الصمت تكون الهيبة [44] .
2 - البعد عن الفحش في الكلام
«وتراه : بعيدا فحشه», والفحش بمعناه الظاهر من الموبقات العظيمة ، و قد حذّر منه فى الأخبار الكثيرة و بشّر الفحّاش بالنّار، فعن رسول اللّه(ص):»إنّ اللّه حرّم الجنّة على كلّ فحّاش بذيّ قليل الحياء لا يبالي ما قال و لا ما قيل له» و من تعرّض للنّاس بشتمهم وهو يعلم أنهم سيردون عليه في نفس الأسلوب، فذلك لا يبالي ما قال و لا ما قيل له .
3 - لين القول
«ليّنا قوله» يتكلّم بالرّفق و لا يغلظ فى كلامه ، فانّ الرّفق فى القول يوجب المحبّة و يجلب الالفة و يدعو إلى الإجابة عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، و لذلك أمر اللّه عزّ وجل موسى وهارون(ع) عند بعثهما إلى فرعون بأن يقولا له قولا ليّنا ليكون أسرع إلى القبول وأبعد من النّفور.
وعن الإمام الصادق (ع) : كان أمير المؤمنين (ع) يقول : «ليجتمع فى قلبك الافتقار إلى النّاس والاستغناء عنهم، فيكون افتقارك إليهم في لين كلامك وحسن بشرك، ويكون استغناؤك عنهم فى نزاهة عرضك وبقاء عزّك» [45] .
4 – التواضع
«مشيهم التواضع» إن التواضع من أعظم ما يتخلق به المرء فهو جامع الأخلاق وأساسها، بل ما من خلق في الإسلام إلا وللتواضع منه نصيب، فبه يزول الكبر، وينشرح الصدر، ويعم الإيثار، وتزول القسوة والأنانية والتشفي وحب الذات و في رواية عن الإمام الصادق (ع) في ما أوحى اللّه عزّ و جلّ إلى داود :«كما أنّ أقرب الناس من اللّه المتواضعون كذلك أبعد الناس من اللّه المتكبّرون» [46].
والمقصود من التواضع المحمود أن يترك المرء التطاول على عباد الله والترفع عليهم والإزراء بهم حتى مع وقوع الخطأ عليه، ومن ذلك أيضاً التواضع للدين والاستسلام لشرع الله بحيث لا يعارضه المرء برأي ولا هوى. وأن ينقاد لما جاء به خاتم الرسل(ص)، وأن تعبد الله وفق ما أمرك به.
وليس من التواضع الاستكانة أمام نصرة دين الله سبحانه، والذي يسبب التخاذل وهجر النصيحة وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والخنوع أمام الباطل، والبعد عن نصرة المظلوم.
ومما ذُكر في صفات رسول الله(ص): «لقد كان صلى الله عليه وآله وسلم جمَّ التواضع ، وافر الأدب، يبدأ الناس بالسلام ، وينصرف بكله إلى محدثه ، صغيراً كان أو كبيراً ، ويكون آخر من يسحب يده إذا صافح ، وإذا تصدق وضع الصدقة، وإذا جلس جلس حيث ينتهي به المجلس ، لم يُرَ ماداً رجليه قط ، ولم يكن يأنف من عمل لقضاء حاجته ، أو حاجة صاحب أو جار ، فكان يذهب إلى السوق ، ويحمل حاجته بيده ويقول : أنا أولى بحملها وكان يجيب دعوة الحرِّ والعبد والمسكين ، ويقبل عذر المعتذر، يخصف نعله، ويكنُس داره، ويخدم نفسه ، ويعقل بعيره، وكان في مَهنة أهله ، وكان يأكل مع الخادم، ويقضي حاجة الضعيف والبائس، وكان يمشي هوناً خافض الطرف ...».
قَانِعَةً نَفْسُهُ ـ حاجاتهم خفيفة
قال تعالى: (من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى فلنحيينه حياةً طيبة) [47].
روي عن النبي (ص) انه قال في معنى الحياة الطيبة، إنها القناعة والرضا بما قسم الله تعالى.
وتتجسد حالة القناعة عند المؤمن في: التفاؤل وبسط الوجه، وعدم الشكوى، كذا وصف الله تعالى أهل القناعة والعفة فقال: «يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا» [48] .
والقانع على درجة من الايمان وحسن الظن بالله تعالى، والثقة به في كل أحواله، فهو يعلم أن الله عز وجل لا يمنع إلا لمصلحة العبد وهو العزيز الحكيم، يهب لحكمة، ويمنع لحكمة، ويقدر الأرزاق لحكمة. قلبه مطمئن بالله تعالى ، وروحه متوجهة إلى الآخرة، لم يُسحر قلبه بزينة الدنيا الزائلة.
عن الإمام الرضا (ع) :«لا يسلك طريق القناعة إلا رجلان، : إما متعبد يريد أجر الآخرة، أو كريم متنزه عن لئام الناس».
ثم القناعة تأتي بخصال أخرى كريمة، تبينها النصوص الشريفة التالية:
عن أمير المؤمنين (ع) : «من قنعت نفسه، أعانته على النزاهة والعفاف -القناعة رأس الغنى- كفى بالقناعة ملكاً- من عز النفس لزوم القناعة- ثمرة القناعة العز- أعون شيء على صلاح النفس: القناعة».
“غضوا أبصارهم .. ووقفوا أسماعهم..”
ولان السمع والبصر نعمتان فهما تستوجبان شكر الله المنعم , وحق الشكر أن لا تستخدم نِعَم الله في معصيته , بل يذكر الإمام السجاد (ع) لهما حقوقاً فيقول: وأما حق السمع فتنزيهه عن أن تجعله طريقاً إلى قلبك إلا لفوهة كريمة تحدث في قلبك خيراً، أو تكسب خلقاً كريماً، فإنه باب الكلام إلى القلب، يؤدي إليه ضروب المعاني على ما فيها من خير أو شر، ولا قوة إلا بالله.. .
إن جهاز السمع هو الأداة الفعالة في تكوين شخصية الإنسان، وبناء سلوكه، وذلك بما ينقله من المسموعات التي تنطبع في دخائل الذات وقرارة النفس، ومن حقه على الإنسان أن يجعله بريداً لنقل الآداب الكريمة، والفضائل الحسنة، والمزايا الحميدة ليتأثر بها، وتكون من صفاته وخصائصه.
وهكذا يفعل المتقون الذين (وقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم) في الدّنيا و الآخرة الموجب لكمال القوّة النظرية و الحكمة العمليّة ، و أعرضوا عن الإصغاء إلى اللّغو و الأباطيل كالغيبة و الغناء و نحوها، و قد وصفهم اللّه سبحانه بذلك في قوله (والذين هم عن اللّغو معرضون) وقد ورد عن الإمام الباقر (ع) :«الغناء مما وعد الله عليه النار» وتلا هذه الآية (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ) [49] ، وعن الإمام الصادق (ع) :«بيت الغناء لا تؤمن فيه الفجيعة، ولا تجاب فيه الدعوة، ولا يدخله ملك»[50] .
«وأما حق بصرك فغضه عما لا يحل لك، وترك ابتذاله إلا لموضع عبرة تستقبل بها بصراً أو تستفيد بها علماً فإن البصر باب الاعتبار» إن للبصر حقاً على الإنسان، وهو حجبه عن النظر إلى ما حرمه الله الذي هو مفتاح الولوج في اقتراف الآثام، فينبغي للمسلم أن يغض بصره عما لا يحل له، وأن ينظر إلى مواضع العبر ليستفيد منها في بناء شخصيته، كما أنه ينبغي له أن يستفيد ببصره علماً يهذب به نفسه، وينفع به مجتمعه .
فالمتقون غضّوا أبصارهم عمّا حرّم اللّه عليهم امتثالا لأمره تعالى: (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) [51].
وعن الإمام الصادق (ع) : « كلّ عين باكية يوم القيامة غير ثلاث أعين: عين غضّت عن محارم اللّه، وعين سهرت في طاعة اللّه، وعين بكت في جوف اللّيل من خشية اللّه» [52] .
«وأنفسهم عفيفة».
وفي رواية عنه (ع) : «ما المجاهد في سبيل الله بأعظم أجراً ممن قدر فعفّ, لكاد العفيف أن يكون ملكا من الملائكة » [53] , وهذا الحديث ترجمة لحديث الجهاد الأكبر مع النفس الذي يتجلى بصيانة النفس والتنزه عن الدنايا.
ومن أهم موارد العفاف : الطعام والشهوة. قال تعالى: ( وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ) [54] ، (وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِه) [55] ، وعن رسول الله(ص): « أحبّ العفاف الى الله تعالى عفة البطن والفرج» [56].
خلاصة الدرس
تجلى سلوك المتقين من خلال:
التواضع
«مشيهم التواضع» إن التواضع من أعظم ما يتخلق به المرء فهو جامع الأخلاق وأساسها، بل ما من خلق في الإسلام إلا وللتواضع منه نصيب، فبه يزول الكبر، وينشرح الصدر، ويعم الإيثار، وتزول القسوة والأنانية والتشفي وحب الذات.
لين القول
«ليّنا قوله» يتكلّم بالرّفق ولا يغلظ فى كلامه، فانّ الرّفق في القول يوجب المحبّة ويجلب الالفة ويدعو إلى الإجابة عند الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.
سلامة المنطق
إن اللسان من أصغر الجوارح وأخطرها على مصير الإنسان، ومن أصعب الجوارح ضبطاً وسيطرةً، والمتقون قد استطاعوا السيطرة على هذا اللسان.
القناعة
والقانع على درجة من الايمان وحسن الظن بالله تعالى، والثقة به في كل أحواله، فهو يعلم أن الله عز وجل لا يمنع إلا لمصلحة العبد وهو العزيز الحكيم، يهب لحكمة، ويمنع لحكمة، ويقدر الأرزاق لحكمة.
غض البصر ووقف السمع
السمع والبصر نعمتان فهما تستوجبان شكر الله المنعم , وحق الشكر أن لا تستخدم نعم الله في معصيته.
عفة النفس
ومن أهم موارد العفاف : الطعام والشهوة
أسئلة حول الدرس
1. أذكر بعضاً من مواصفات منطق المتقين .
2. ما المقصود من التواضع المحمود والتواضع المذموم؟
3. ما هي الخصال المترتبة على التحلي بالقناعة ؟
4. السمع والبصر نعمتان , كيف يستفيد منهما المتقون ؟
5. ما معنى عفة النفس , وأين تتجلى ؟
للحفظ
عن الإمام علي (ع) :
« فَالْمُتَّقُونَ فِيهَا هُمْ أَهْلُ الْفَضَائِلِ: مَنْطِقُهُمُ الصَّوَابُ، وَمَلْبَسُهُمُ الاْقْتِصَادُ، وَمَشْيُهُمُ التَّوَاضُعُ.
غَضُّوا أَبْصَارَهُم عَمَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِمْ، وَوَقَفُوا أَسْمَاعَهُمْ عَلَى الْعِلْمِ النَّافِعِ لَهُمْ.
قُلُوبُهُمْ مَحْزُونَةٌ، وَشُرُورُهُمْ مَأْمُونَةٌ، وَأَجْسَادُهُمْ نَحِيفَةٌ، وَحَاجَاتُهُمْ خَفِيفَةٌ، وَأَنْفُسُهُمْ عَفِيفَةٌ.
صَبَرُوا أَيَّاماً قَصِيرَةً أَعْقَبَتْهُمْ رَاحَةً طَوِيلَةً، تِجَارَةٌ مَرْبِحَةٌ، يَسَّرَهَا لَهُمْ رَبُّهُم.
يَمْزُجُ الْحِلْمَ بِالْعِلْمِ، وَالْقَوْلَ بِالْعَمَل.
تَرَاهُ قَرِيباً أَمَلُهُ، قَلِيلاً زَلَلُهُ، خَاشِعاً قَلْبُهُ، قَانِعَةً نَفْسُهُ، مَنْزُوراً أَكْلُهُ، سَهْلاً أَمْرُهُ، حَرِيزاً دِينُهُ، مَيِّتَةً شَهْوَتُهُ، مَكْظُوماً غيْظُهُ».
أشعار الحكمة
وقالوا في الحرص على عدم أذية قلوب الآخرين وجرح مشاعرهم :
احرص على صون القلوب من الأذى
فرجوعها بعد التـنـافـر يعـسـر
إن القـلـوب إذا تـنـافـر ودهـا
مثل الزجاجة كسرهـا لا يجـبـر
وقالوا في انتظار الفرج بعد الشدة :
ولرب نازلة يضيق لها الفتى
ذرعاً وعند الله منها المخرج
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها
فرجت وكنت أظنها لا تفرج
وقالوا في فضيلة الصبر :
اصبر ففي الصبر خير لو علمت به
لطبت نفساً ولم تجزع مـن الألـمِ
واعلم بأنك لو لم تصطبر كـرمـاً
صبرت رغماً على ما خط بالقلـمِ
للمطالعة
يقول العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي صاحب كتاب تفسير الميزان رحمه الله : حينما كنت في بداية شبابي مقيماً بالنجف الأشرف لدراسة العلوم الإسلامية، كنت بين حين وآخر أذهب للقاء المرحوم آية الله القاضي وهو من كبار علماء الأخلاق وأساتذته في حوزة النجف الأشرف وذلك بحكم القرابة وصلة الرحم.
ذات يوم، كنت واقفاً عند باب مدرسة كان يمر بها المرحوم القاضي في طريقه. فلما اقترب دنا إلي، فوضع يده على كتفي وقال:
«يا بني ان كنت تريد الدنيا فصل صلاة الليل، وان كنت تريد الآخرة فصل صلاة الليل».
وقد ترك هذا الكلام أثراً تربوياً عميقاً في نفسي فصرت من ذلك الوقت وبعد ما رجعت إلى إيران لازمته مدة خمس سنوات ليلاً ونهاراً، ولم أفرط بلحظة استطيع فيها الاستزادة من فيضه والتأسي بكمالاته الروحية.
أَمَّا اللَّيْلَ فَصَافُّونَ أَقْدَامَهُمْ......حَانُونَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ، مُفْتَرِشُونَ لِجَبَاهِهِمْ وَأَكُفِّهِمْ، وَأَطْرَافِ أَقْدَامِهِمْ، يَطْلُبُونَ إِلَى اللهِ فِي فَكَاكِ رِقَابِهِمْ.
فَمِنْ عَلاَمَةِ أَحَدِهِمْ أَنَّكَ تَرَى لَهُ.... َخُشُوعاً فِي عِبَادَة
يصف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) حال أولياء اللّه فى مناجاتهم إذا جنّهم اللّيل، و ذِكرهم ووقوفهم بين يدي الله بقوله ( أمّا الليل فصافّون أقدامهم) للصّلاة علماً منهم بما فيها من الفضل العظيم والأجر الخطير.
وقد مدح اللّه القيام والقائمين في كتابه الكريم بقوله تعالى: (سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ)، فعن الإمام الصّادق (ع) في تفسيره : هو السّهر في الصّلاة.
وبقوله تعالى: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ) [57].
لليل رجال ودولة، وللنهار رجال ودولة. ودولة الليل في التضرع والاستكانة إلى اللّه والدعاء والمناجاة والذكر والخشوع والتبتل والإنابة والتوبة. ودولة النهار في الجد والعزم والسعي والكدح والجهاد والتقوى. ولكل دولة رجال وأبطال.
ومن الناس من يكون من رجال الليل. وليس من رجال النهار. فإذا جاء الليل نشط للعبادة والتضرع والبكاء والاستكانة، ومن الناس من يكون من رجال النهار في العزم والجد والكدح والتقوى والإخلاص فإذا حلّ به الليل أخلد إلى النوم وسلّم للنوم جوارحه وجوانحه تسليماً.
والنوم في حياة الإنسان حاجة كسائر حاجاته الطبيعية، يأخذ منه المؤمن ما يحتاجه منه ولا يستسلم له: «وخلق لهم الليل ليسكنوا فيه من حركات التعب ونهضات النصب فيكون لهم جماماً وقوة ولينالوا به لذة وشهوة» [58].
فإن المؤمن إذا اقتصر من النوم على حاجته تحكّم هو في النوم، وإذا سلّم له جوارحه وجوانحه تحكّم النوم فيه. وهؤلاء هم النمط الثاني من الناس.
والنمط الثالث من الناس الذين آتاهم اللّه تعالى دولة الليل والنهار، وهم أقل من القليل وصفوة الصفوة من عباد الله، ولا يتكامل الإنسان حق الكمال ولا يبلغ ذروة التقوى والصلاح والمعرفة والذكر إلا عندما يجمع بين دولة الليل والنهار.
يقول أمير المؤمنين (ع) عن هؤلاء: «أما الليل فصافّون أقدامهم تالين لأجزاء القرآن يرتلونها ترتيلاً يحزّنون به أنفسهم ويستثيرون دواء دائهم، فإذا مرّوا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعاً وتطلعت نفوسهم إليها شوقاً وظنّوا أنها نصب أعينهم، وإذا مرّوا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم فظنّوا أن زفير جهنم وشهيقها في اُصول آذانهم، فهم حانون على أوساطهم مفترشون لجباههم وأكفّهم وركبهم وأطراف أقدامهم يطلبون فكاك رقابهم. وأما النهار فحلماء علماء أبرار أتقياء».
وهكذا كان رسول الله(ص)القدوة، يأخذ من هذا و ذاك بصورة متوازنة، يأخذ من الليل الحب و الإخلاص و الذكر، و يأخذ من النّهار القوة و السلطان و المال، لتمكين الدعوة و ترسيخها و كانت ناشئة الليل تعينه، و تمكّنه من حمل عبء الرسالة الثقيل. يقول تعالى: (يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ الْلَيْلَ إِلاّ قَليلاً * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَليلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَ رَتِّلِ الْقُرآنَ تَرْتيلاً * إِنّا سَنُلْقي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقيلاً * إِنَّ ناشِئةَ الْلَيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْأ وَأقْوَمُ قِيلاً * إِنَّ لَكَ فيِ النَّهارِ سَبْحاً طَويلاً) [59].
الصلاة رحلة إلى اللّه تعالى، والى هذه الحقيقة يشير الحديث الشريف: «الصلاة معراج المؤمن».
وفي الصلاة يعرج الإنسان إلى اللّه، ومهما كان عروج الإنسان في صلاته أكثر كان أقرب الى اللّه تعالى.
ما هي الغاية من الصلاة؟ وكيف نصلي؟
إن (الذكر) هو الغاية من الصلاة. يقول تعالى: ( إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) [60].
فالصلاة إذن ذكر، والغاية من الصلاة الذكر ولا يتأتى للإنسان الذكر من دون «حضور القلب» في الصلاة، فإن الذكر هو الحضور، والغفلة الغياب، ولكي يحقق الانسان في صلاته حالة الذكر لابد له من إحضار القلب.
ولا قيمة للصلاة إلا بمقدار حضور القلب، وليس للمصلي من صلاته الا ما أقبل عليها بقلبه. وقد دلت الروايات على ذلك. فعن رسول اللّه(ص): «كم من قائم حظه من صلاته النصب والتعب» [61] .
وعن الرسول الأكرم (ص): «إذا أقمت للصلاة فعليك بالإقبال على الله، فإنما لك من الصلاة ما أقبلت عليه بقلبك» [62].
وقد تكون الصلاة فارغة تماماً من ذكر وإقبال على اللّه، وليس فيها من الصلاة الا الشكل والمظهر.. فيضرب بها وجه صاحبها.
فَمِنْ عَلاَمَةِ أَحَدِهِمْ أَنَّكَ تَرَى لَهُ.... َخُشُوعاً فِي عِبَادَة .
فما هو الخشوع وكيف يمكن تحصيل هذه الحالة من القرب الى الله ؟
الخشوع في اللغة :هو الخضوع والسكون . قال :(وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً) [63]. أي سكنت.
والخشوع في الاصطلاح: لين القلب ورقته وسكونه وخضوعه ،فإذا خشع القلب تبعه خشوع جميع الجوارح والأعضاء،لأنها تابعة له، فالخشوع محله القلب ولسانه المعبر هو الجوارح.
إن الخشوع في الصلاة، هو توفيق من الله جل وعلا، يوفق إليه الصادقين في عبادتهم ،المخلصين المخبتين له ،العاملين بأمره والمنتهين بنهيه. فمن لم يخشع قلبه بالخضوع لأوامر الله خارج الصلاة،لا يتذوق لذة الخشوع ولا تذرف عيناه الدموع لقسوة قلبه وبعده عن الله, قال تعالى: (إنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ) [64] ، فالذي لم تنهه صلاته عن المنكر لا يعرف إلى الخشوع سبيلاً، ومن كان حاله كذلك ،فإنه وإن صلى لا يقيم الصلاة كما أمر الله جل وعلا، قال تعالى:(اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ) [65].
إن الخشوع ما هو إلا ثمرة لصلاح القلب واستقامة الجوارح، ولا يحصل ذلك إلا بمعرفة الله جل وعلا،والإيمان به وبملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ،ومعرفة أمره والعمل به، ومعرفة نهيه واجتنابه، ثم اقتران ذلك كله بالإخلاص.لذلك فإن مرد أسباب الخشوع كلها إلى هذه الأمور.
1- معرفة الله:
وهي أهم الأسباب وأعظمها ،وبها ينور القلب ويتقد الفكر وتستقيم الجوارح فالعلم اليقين بلا إله إلا الله، يثمر في القلب طاعة الله وتوقيره والذل والانكسار له في كل اللحظات، ويعلّم المؤمن الحياء من الله لإيقانه بوجوده ومعيته وقربه وسمعه وبصره. قال تعالى: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) [66].
2- تعظيم قدر الصلاة والاستعداد لها:
وإنما يحصل تعظيم قدرها ،إذا عظم المسلم قدر ربه وجلال وجهه وعظيم سلطانه، واستحضر في قلبه وفكره إقبال الله عليه وهو في الصلاة، فعلم بذلك أنه واقف بين يدي الله، وقد كان الإمام علي بن الحسين السجاد (ع) إذا توضأ اصفر لونه فيقول له أهله:ما هذا الذي يعتريك عند الوضوء ؟فيقول : «أتدرون بين يدي من أقوم؟»[67].
وليس من شك أن الاهتمام من عوامل الانتباه، وكلما يكون اهتمام الإنسان بأمر أكثر يكون انتباهه إليه أكثر وهذه قضية واضحة، فإن الإنسان إذا واجه أمرين وكان اهتمامه إلى أحدهما أعظم من الآخر انصرف إليه بقلبه.
وإنما ينصرف الناس عن صلاتهم الى ما يهمهم من أمور دنياهم لأن اهتمامهم بها أعظم من اهتمامهم بالصلاة، إذن الخلفية النفسية لمسألة حضور القلب في الصلاة هي قضية الاهتمامات، وما لم يحول الإنسان اهتماماته من «الأنا» إلى «اللّه» ومن «الدنيا» إلى «الآخرة»... لا يتمكن من أن يؤدي الصلاة أداءً حسناً، بالإقبال والذكر والانشداد.
3ـ تفريغ القلب:
إن قلب الإنسان إناء واحد، لا يجتمع فيه أمران متضادان، يقول تعالى: (ما جعل اللّه لرجل من قلبين في جوفه). فإذا كان قلب الإنسان مشغولاً بشواغل الدنيا، فلا يستطيع أن ينصرف الى ذكر اللّه تعالى، وتبقى هذه الشواغل تلاحقه، وتطارده ، حتى في صلاته، وهذه الشواغل على نحوين:
شواغل خارجية، وأخرى داخل النفس، والثانية أشق من الأولى.
أما الشواغل الخارجية فهي ما تحيط بالإنسان وتشغل باله، مثل زخرفة مكان المصلّي ونقوش الفرش الذي يصلّي عليه الإنسان.
وأهم من الشواغل الخارجية الشواغل الداخلية في النفس، وهي الاهتمامات التي تشغل المصلي عن صلاته وذكره، وتشتت باله، وترهقه بالطمع والحسد والجشع وطول الأمل.
4 ـ منهج الخطاب
عندما ننظر في كتاب أو نستمع إلى محاضرة قد نصاب بشرود الذهن، وكذلك الأمر عندما نقرأ كتاباً بصوت مسموع. ولكن عندما نخاطب أحدا أو نتلقى خطاباً من احد بالمواجهة لا نصاب بالشرود، ففي حالة الخطاب ينشد الإنسان إلى «المخاطب» (بالفتح والكسر)، بسبب عامل الخطاب. إذن «الخطاب» من أهم عوامل الانشداد.
فإذا استشعر المؤمن خطاب اللّه تعالى له في القرآن، وخطابه له تعالى في «الصلاة» و«الدعاء» لم يصرفه عنه شيء، ولا يجد أمراً ألذّ إلى قلبه وعقله منه.
5- تدبر القرآن في الصلاة
إن تدبر القرآن من أعظم أسباب الخشوع في الصلاة ,وذلك لما تشتمل عليه الآيات من الوعد والوعيد وأحوال الموت ويوم القيامة وأحوال أهل الجنة والنار وأخبار الأنبياء الرسل وما ابتلوا به من قومهم وكل هذه القضايا تسبح بخلدك فتهيج في قلبك نور الإيمان وصدق التوكل وتزيدك خشوعاً على خشوع وكيف لا وقد قال الله جل وعلا: (لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) [68].
«وأما الليل فصافون أقدامهم.....»
إن النوافل هي مجال التنافس والتسابق، والتسامي في نيل الدرجات الزلفى عند رب العالمين، يوم القيامة.
قال تعالى: (وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ) [69]
ومن أهم هذه النوافل، صلاة الليل يقول الله تعالى : ( وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا) [70].
ويقول تعالى : (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [71].
فمن آثار هذه الصلاة:
أولاً: إن صلاة الليل تثبت النور في قلب العبد، وقد ورد عن النبي الأكرم(ص)أنه قال: «إن العبد إذا تخلّى بسيّده في جوف الليل المظلم وناجاه، أثبت الله النور في قلبه» [72].
ثانياً: إن صلاة الليل تستوجب رضوان الله سبحانه وتعالى، وقد قرن الإمام الرضا (ع) بين صلاة الليل ورضا الله تعالى، فقال: «قيام الليل رضا الرب» [73].
أهم أسباب الخشوع
1. معرفة الله
2. تعظيم قدر الصلاة والاستعداد لها
3. تفريغ القلب
4. منهج الخطاب
5. تدبر القرآن في الصلاة
خلاصة الدرس
يصف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) حال أولياء اللّه فى مناجاتهم إذا جنّهم اللّيل، و ذِكرهم ووقوفهم بين يدي الله بقوله «أمّا الليل فصافّون أقدامهم» للصّلاة علما منهم بما فيها من الفضل العظيم والأجر الخطير.
ولليل رجال ودولة، وللنهار رجال ودولة. ودولة الليل في التضرع والاستكانة إلى اللّه والدعاء والمناجاة والذكر والخشوع والتبتل والإنابة والتوبة. ودولة النهار في الجد والعزم والسعي والكدح والجهاد والتقوى. ولكل دولة رجال وأبطال.
الصلاة رحلة إلى اللّه تعالى، والى هذه الحقيقة يشير الحديث الشريف: «الصلاة معراج المؤمن».
ولا قيمة للصلاة إلا بمقدار حضور القلب، وليس للمصلي من صلاته الا ما أقبل عليها بقلبه.
إن الخشوع في الصلاة، هو توفيق من الله جل وعلا، يوفق إليه الصادقين في عبادته ،المخلصين المخبتين له ،العاملين بأمره والمنتهين بنهيه. فمن لم يخشع قلبه بالخضوع لأوامر الله خارج الصلاة،لا يتذوق لذة الخشوع ولا تذرف عيناه الدموع لقسوة قلبه وبعده عن الله.
أسئلة حول الدرس
1. ما هي أحوال الناس في الليل والنهار من حيث الطاعة والعبادة ؟
2. ما هو الدور التربوي للعبادة في الإسلام ؟
3. ما هي الغاية من الصلاة؟ وكيف نصلي؟
4. ما هو الخشوع وكيف يمكن تحصيل هذه الحالة من القرب الى الله ؟
5. بيِّن فضل صلاة الليل وقيام المتقين فيه .
للحفظ
عن الإمام علي (ع) :
“ أَمَّا اللَّيْلَ فَصَافُّونَ أَقْدَامَهُمْ......حَانُونَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ، مُفْتَرِشُونَ لِجَبَاهِهِمْ وَأَكُفِّهِمْ، وَأَطْرَافِ أَقْدَامِهِمْ، يَطْلُبُونَ إِلَى اللهِ فِي فَكَاكِ رِقَابِهِمْ.
فَمِنْ عَلاَمَةِ أَحَدِهِمْ أَنَّكَ تَرَى لَهُ.... َخُشُوعاً فِي عِبَادَة ...”
أشعار الحكمة
لك الحمد يا ذا الجود والمجد والعلى
تباركت تعطي من تشاء وتمنعُ
إلهي وخلاقي وحرزي وموئلي
إليك لدى الإعسار واليسر أفزعُ
إلهي لئن جلت وجمت خطيئتي
فعفوك عن ذنبي أجل وأوسعُ
إلهي لئن أعطيت نفسي سؤلها
فها أنا في روض الندامة أرتعُ
إلهي ترى حالي وفقري وفاقتي
وأنت مناجاتي الخفية تسمعُ
إلهي فلا تقطع رجائي ولا تزغ
فؤادي فلي في سيْب جودك مطمعُ
إلهي أجرني من عذابك إنني
أسير ذليل خائف لك أخضعُ
إلهي فآنسني بتلقين حجتي
إذا كان لي في القبر مثوى ومضجعُ
للمطالعة
حكى أحد العلماء أنه ذهب في كربلاء المقدسة إلى آية الله العظمى الشيخ مرتضى الأنصاريرحمه الله يطلب منه مساعدة مالية لسيد جليل من كبار العلماء، كانت زوجته تقرب من وضع حملها وله عيال كثير.
فقال الشيخ الأنصاري «ليس لدي مال الآن سوى مبلغ لمن يصلي ويصوم نيابةً لميت». فقال له الوسيط «سيد جليل ومتعفف، ولأنه كثير الاهتمام بدروسه ومطالعاته العلمية لا يتفرغ لهذه العبادة الاستيجارية».
يقول: فتأمل الشيخ الأنصاري قليلاً ثم قال «إذن أنا أصلي وأصوم بدلاً عنه، خذ هذه الأموال». وهذا بالرغم من كون الشيخ مرتضى الأنصاري لمكانته المرجعية كان كثير الانشغال وقليل الوقت، ولكنه تحمل ذلك بدلاً عن السيد المحتاج الذي لم يكن يعرفه بسبب التعفف.
وهناك قصة أخرى مشابهة لهذه القصة حصلت للسيد علي الدزفولي وكان شديد الفقر، فذهب للشيخ الأنصاري مباشرةً ليطلب منه شيئاً لسد الفاقة.
فأجابه الشيخ: «ليس في يدي شيء أعينك به في الوقت الحاضر، ولكن اذهب عند فلان، خذ منه مبلغاً لصلاة استيجارية مدة عامين، وأنا أصليها بدلاً عنك».
الدرس السادس : أهل القرآن الكريم
أَمَّا اللَّيْلَ فَصَافُّونَ أَقْدَامَهُمْ، تَالِينَ لأجزاء الْقُرْآنِ يُرَتِّلُونَهَا تَرْتِيلاً، يُحَزِّنُونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ، وَيَسْتَثِيرُونَ بِهِ دَوَاءَ دَائِهِمْ، فَإِذَا مَرُّوا بِآيَة فِيهَا تَشْوِيقٌ رَكَنُوا إِلَيْهَا طَمَعاً، وَتَطَلَّعَتْ نُفُوسُهُمْ إِلَيْهَا شَوْقاً، وَظَنُّوا أنَّهَا نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ، وَإِذَا مَرُّوا بِآيَة فِيهَا تَخْوِيفٌ أَصْغَوْا إِلَيْهَا مَسَامِعَ قُلُوبِهِمْ، وَظَنُّوا أَنَّ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وَشَهِيقَهَا فِي أُصُولِ آذَانِهِمْ، فَهُمْ حَانُونَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ، مُفْتَرِشُونَ لِجَبَاهِهِمْ وَأَكُفِّهِمْ، وَأَطْرَافِ أَقْدَامِهِمْ، يَطْلُبُونَ إِلَى اللهِ فِي فَكَاكِ رِقَابِهِمْ.
إن القرآن الكريم أراد الله تعالى له أن يكون كتاب علم وعبرة وتربية، فهو يزود القارئ له بالمعارف والعلوم والأحكام ليصلح بها عقله، كما أنه يقدم له الدروس والعبر ليحافظ على توازن مسيرته في الحياة الدنيا، إضافة إلى أنه يسعى لتربيته روحياً.
وهذا كله تختصره كلمة الهداية التي وردت في وصف القرآن الكريم في العديد من آياته : (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ) [74].
والقرآن الكريم يهدي الإنسان سبل السلام مع النفس، ومع الأهل ومع الأولاد، ومع الجيران، ومع الأصدقاء، ومع من يلوذ به : (يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ) [75] .
القرآن يرفع المعنويات :
هل يعقل أن يحزن الإنسان المؤمن ، وهو يقرأ قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ) [76].
أو يحزن والله سبحانه وتعالى يقول : (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [77].
وكذلك قوله تعالى: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) [78].
وكيف يحبط من يعلم أن الله تعالى يدافع عنه ؟
(إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ) [79].
ولا سبيل لتحقيق ذلك كله إلا من خلال الاستفادة الصحيحة من القرآن الكريم, فترتيله مدخل للمعرفة, والمعرفة مدخل للعمل, وللانتفاع ببيانه والاتعاظ بمواعظه, والعيش في قلب حقائقه .
يأمر القرآن المؤمنين بان يقضوا بعض أوقات الليل بتلاوة القرآن، وأن يرتلوا القرآن في صلواتهم عندما يتوجهون إلى الله، وفي خطاب للرسول يقول: ( يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، قُمْ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً، نِصْفَهُ أَوْ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً ) [80] .
والترتيل هو قراءة القرآن بحيث تخرج الكلمات من الفم بسهولة واستقامة وهو بمعنى الوضوح في القراءة مع التأني كما في الرواية الواردة عن رسول الله(ص)في تفسير هذه الآية: «بيّنه تبياناً ولا تنثره نثر الرمل ولا تهذه هذ الشعر» [81] .
وعن الصادق (ع) إنه سئل عن هذه الآية فقال قال أمير المؤمنين (ع) بينه بيانا ولا تهذه هذّ الشعر ولا تنثره نثر الرمل ولكن أفزعوا قلوبكم القاسية ولا يكن هم أحدكم آخر السورة.
وهذا هو حال المتقين : أَمَّا اللَّيْلَ فَصَافُّونَ أَقْدَامَهُمْ، تَالِينَ لأجزاء الْقُرْآنِ يُرَتِّلُونَهَا تَرْتِيلاً.
لا ريب بضرورة مطالعة القرآن بهدف دراسته وتعلمه، يصرح القرآن في هذا المجال بقوله: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) [82].
إن فهم القرآن الكريم ومعانيه مهم جداً عند تلاوته، وبالإضافة إلى فهمه ينبغي تدبّره ثم العمل بمضمونه.
فقد ورد عن الإمام الحسين (ع) : «آيات القرآن خزائن العلم فكلما فتحت خزانة فينبغي لك أن تنظر فيها»[83].
إن مراعاة هذه الأمور يمكن أن يساهم في إيصال القارئ إلى الهدف الأساسي من القراءة، ويتحقق للقرآن الكريم دوره في حياة الفرد والمجتمع وعلى رأس ذلك التعلم والاعتبار والتربية.
القرآن .... خطاب العقل والوجدان
إن التعليم والتذكير من أهداف القرآن الكريم، ومن هذه الجهة يخاطب القرآن الكريم عقل الإنسان، ويتحدث معه بالاستدلال والمنطق، غير أن للقرآن الكريم لغة أخرى أيضاً، والمخاطب فيها بالإضافة للعقل، القلب، وهذه اللغة الثانية تسمى: «الإحساس».
فالذي يعرف لغة القلب ويخاطب الإنسان بها، يحرك الإنسان من أعماق وجوده، وعندئذ لا يبقى الفكر الإنساني تحت التأثير فحسب، بل ويتأثر كل وجوده. وربما استطعنا أن نضرب الموسيقى مثلا، كنموذج عن لغة الإحساس
ومعلوم مدى تأثير الأناشيد والمعزوفات العسكرية وقوتها حين تنشد وتعزف في ميادين القتال بحيث تجعل الجندي الذي لا يخرج من خندقه خوف الأعداء تجعله يتقدم إلى الأمام بكل اندفاع ويحارب الأعداء رغم الهجوم الثقيل للعدو. وهناك نوع آخر من الموسيقى يرتبط مع الشهوة فيعرض الإنسان إلى الخمول والانقياد نحو الشهوات، ويدعوه ليستسلم للفساد.
القرآن بنفسه يوصينا أن نقرأه بصوت حسن لطيف. وبهذا النداء السماوي يتحدث القرآن الكريم مع الفطرة الإلهية للإنسان ويسخرها.
عن رسول الله(ص): «قفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب» [84].
إن النداء السماوي للقرآن الكريم، أوجد في مدة قصيرة من (الجاهلين)، في شبه الجزيرة العربية شعباً مؤمناً مستقيماً، استطاعوا أن يحاربوا أكبر القوى الموجودة في ذلك العصر.
فالمسلمون لم يتخذوا القرآن كتاب درس وتعليم فحسب، بل، كانوا ينظرون إليه بمثابة غذاء للروح ومنبع لاكتساب القوة والارتباط بالله تعالى. فكانوا يقرؤون القرآن بكل إخلاص في الليل ويشير الإمام السجاد (ع) إلى هذه النقطة بقوله في دعاء ختم القرآن: «واجعل القرآن لنا في ظلم الليالي مؤنسا» [85] .
إن شدة يقين المتقين وتأثرهم العميق بالقرآن الكريم جعلهم يتجاوزون الوجود اللفظي للقرآن على الألسنة, والوجود الذهني للمعاني في العقول والافهام, إلى الوجود الحقيقي في قلب الحقائق كما يقول الإمام :«فهم والجنّة كمن قد رآها فهم فيها منعّمون وهم والنار كمن قد رآها فهم فيها معذّبون», فصاروا في مقام الرّجاء والشوق إلى الثواب وقوّة اليقين بحقائق وعده سبحانه بمنزلة من رأى بحسّ بصره الجنّة و سعادتها ، فتنعّموا فيها و التذّوا بلذائذها، و في مقام الخوف من النار والعقاب وكمال اليقين بحقائق وعيده تعالى بمنزلة من شاهد النّار وشقاوتها فتعذّبوا بعذابها وتألّموا بآلامها، « فإذا مرّوا بآية فيها تشويق» إلى الجنّة «ركنوا» مالوا واشتاقوا «إليها طمعا وتطلعت» أشرفت «نفوسهم إليها شوقاً وظنّوا أنّها نصب أعينهم» فأيقنوا أنّ تلك الجنّة الموعودة معدّة لهم حتى صارت كأنها نصب أعينهم. « وإذا مرّوا بآية فيها تخويف» وتحذير من النار «أصغوا» وأمالوا «إليها مسامع قلوبهم وظنّوا أنّ زفير جهنّم وشهيقها» صوت توقدها «في أصول آذانهم».
و قد روى في الكافي عن إسحاق بن عمّار قال : سمعت أبا عبد اللّه (ع) يقول: إنّ رسول اللّه (ص) صلّى بالنّاس الصبح فنظر إلى شاب في المسجد و هو يخفق ويهوي برأسه مصفرّاً لونه قد نحف جسمه و غارت عيناه في رأسه ، فقال له رسول اللّه (ص) :
كيف أصبحت يا فلان ؟ قال: أصبحت يا رسول اللّه موقناً، فعجب رسول اللّه (ص) من قوله، وقال: إنّ لكلّ يقين حقيقة فما حقيقة يقينك ؟ فقال: إنّ يقيني يا رسول اللّه هو الذي أحزنني وأسهر ليلى وأظمأ هواجري [86] فعزفت نفسي عن الدّنيا وما فيها، حتّى كأنّي أنظر إلى عرش ربّي وقد نصب للحساب وحشر الخلائق لذلك وأنا فيهم، و كأني أنظر إلى أهل الجنّة يتنعّمون في الجنّة ويتعارفون على الأرائك يتكئون، وكأني أنظر إلى أهل النّار وهم فيها معذّبون مصطرخون، وكأني الآن أسمع زفير النّار يدور في مسامعي، فقال رسول اللّه (ص) : هذا عبد نوّر اللّه قلبه بالإيمان ثمّ قال (ص) له: الزم ما أنت عليه، فقال الشّاب: ادع اللّه لي يا رسول اللّه أن ارزق الشهادة معك، فدعا له رسول اللّه(ص) فلم يلبث أن خرج في بعض غزوات النّبي فاستشهد بعد تسعة نفر وكان هو العاشر [87].
قال تعالى: ( وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا ) [88] فالقرآن شفاء ورحمة لمن غمر الإيمان قلوبهم وأرواحهم، فأشرقت وتفتحت وأقبلت في بشر وتفاؤل لتلقى ما في القرآن الكريم من صفاء وطمأنينة وأمان، وذاقت من النعيـم ما لم تعرفه قلوب وأرواح أغنى ملوك الأرض. إنه حقاً سد منيع يستطيع الإنسان أن يحتمي به من مخاطر كل الهجمات المتتالية على نفسه وقلبه، فيقي القلب من الأمراض التي يتعرض لها كما أنه ينقيه من الأمراض التي علقت به، كالهوى والطمع والحسد ونزغات الشيطان والخبث والحقد... فهو كتاب ومنهج أنزله رب العالمين على قلب محمد (ص) ليكون لعباده هادياً ونذيراً وشفاءً لما في الصدور.
وهذا دأب المتقين كما قال الإمام علي (ع) « وَيَسْتَثِيرُونَ بِهِ دَوَاءَ دَائِهِمْ» فهم يلتمسون الدواء لكل داء كداء الذّنوب الموجب للحرمان من الجنّة و الدّخول في النّار، بدواء القرآن عبر التّدبّر والتفكّر.
ويستجيبون لندائه «فاستشفوه من أدوائكم واسـتعينوا به على لأوائكم , فان فيه شفاء من اكبر الداء وهو الكفر والنفاق والغي والضلال» فكانوا المتسمين بطهارة النفوس ومكارم الأخلاق ومرضيّ الصفات «تَرَاهُ قَرِيباً أَمَلُهُ، قَلِيلاً زَلَلُهُ، خَاشِعاً قَلْبُهُ، قَانِعَةً نَفْسُهُ، مَنْزُوراً أَكْلُهُ، سَهْلاً أَمْرُهُ، حَرِيزاً دِينُهُ، مَيِّتَةً شَهْوَتُهُ، مَكْظُوماً غُيْظُهُ....».
خلاصة الدرس
إن القرآن الكريم أراد الله تعالى له أن يكون كتاب علم وعبرة وتربية، فهو يزود القارئ له بالمعارف والعلوم والأحكام ليصلح بها عقله، كما أنه يقدم له الدروس والعبر ليحافظ على توازن مسيرته في الحياة الدنيا، إضافة إلى أنه يسعى لتربيته روحياً.
الأثر المعنوي للقرآن
يأمر القرآن المؤمنين بان يقضوا بعض أوقات الليل بتلاوة القرآن، وأن يرتلوا القرآن في صلواتهم عندما يتوجهون إلى الله.
لا ريب بضرورة مطالعة القرآن بهدف دراسته وتعلمه، يصرح القرآن في هذا المجال بقوله: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) [89] .
إن فهم القرآن الكريم ومعانيه مهم جداً عند تلاوته، وبالإضافة إلى فهمه ينبغي تدبره ثم العمل بمضمونه.
إن التعليم والتذكير هما من أهداف القرآن الكريم، ومن هذه الجهة يخاطب القرآن الكريم عقل الإنسان، ويتحدث معه بالاستدلال والمنطق، غير أن للقرآن الكريم لغة أخرى أيضاً، والمخاطب فيها بالإضافة للعقل، القلب، وهذه اللغة الثانية تسمى: «الإحساس».
القرآن شفاء ورحمة لمن غمر الإيمان قلوبهم وأرواحهم، فأشرقت وتفتحت وأقبلت في بشر وتفاؤل لتلقى ما في القرآن الكريم من صفاء وطمأنينة وأمان، وذاقت من النعيـم ما لم تعرفه قلوب وأرواح أغنى ملوك الأرض. إنه حقاً سد منيع يستطيع الإنسان أن يحتمي به من مخاطر كل الهجمات المتتالية على نفسه وقلبه.
أسئلة حول الدرس
1. ما هو دور القرآن في حياة المؤمنين ؟
2. ما معنى ترتيل القرآن , ولماذا كان المطلوب ذلك ؟
3. من يخاطب القرآن , العقل أم القلب أم كلاهما , بين ذلك ؟
4. ما المقصود من كون القرآن شفاء ؟
5. أذكر حال المتقين مع كتاب الله .
للحفظ
عن الإمام علي (ع) :
“ أَمَّا اللَّيْلَ فَصَافُّونَ أَقْدَامَهُمْ، تَالِينَ لأجزاء الْقُرْآنِ يُرَتِّلُونَهَا تَرْتِيلاً، يُحَزِّنُونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ، وَيَسْتَثِيرُونَ بِهِ دَوَاءَ دَائِهِمْ، فَإِذَا مَرُّوا بِآيَة فِيهَا تَشْوِيقٌ رَكَنُوا إِلَيْهَا طَمَعاً، وَتَطَلَّعَتْ نُفُوسُهُمْ إِلَيْهَا شَوْقاً، وَظَنُّوا أنَّهَا نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ، وَإِذَا مَرُّوا بِآيَة فِيهَا تَخْوِيفٌ أَصْغَوْا إِلَيْهَا مَسَامِعَ قُلُوبِهِمْ، وَظَنُّوا أَنَّ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وَشَهِيقَهَا فِي أُصُولِ آذَانِهِمْ، فَهُمْ حَانُونَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ، مُفْتَرِشُونَ لِجَبَاهِهِمْ وَأَكُفِّهِمْ، وَأَطْرَافِ أَقْدَامِهِمْ، يَطْلُبُونَ إِلَى اللهِ فِي فَكَاكِ رِقَابِهِمْ”.
أشعار الحكمة
إلهي أذقني طعم عفوك يوم لا
بنون ولا مال هنالك ينفعُ
إلهي لئن لم ترعني كنت ضائعا
وإن كنت ترعاني فلست أضيعُ
إلهي إذا لم تعف عن غير محسن
فمن لمسيء بالهوى يتمتعُ
إلهي لئن فرطت في طلب التقى
فها أنا إثر العفو أقفو وأتبعُ
إلهي أقلني عثرتي وامح حوبتي
فإني مقر خائف متضرعُ
إلهي أنلني منك روحا ورحمة
فلست سوى أبواب فضلك أقرعُ
إلهي لئن أقصيتني أو أهنتني
فمن ذا الذي أرجو ومن ذا أشفعُ
إلهي لئن خيبتني أو طردتني
فما حيلتي يا رب أم كيف أصنعُ
للمطالعة
يقول أحد تلامذة العلامة الطباطبائي رحمه الله :
كان المرحوم السيد علي القاضي -أستاذ العلامة الطباطبائي في الأخلاق - والذي يُعتَبَر من الناحية العملية آية عجيبة .. ويَعرفُ أهل النجف وخصوصاً أهل العلم الكثير من قصصه.. في منتهى الفقر، وكانت عائلته كبيرة، وكان في منتهى التسليم والتفويض والتوحيد، بحيث لم تخرجه هذه العائلة ذرة عن مساره. ـ
حدثني أحد أصدقائي في النجف، وهو فعلاً من أعلامها فقال: ذهبت ذات يوم إلى دكان بائع الخضار، رأيت المرحوم علي القاضي منحنياً ينتقي الخس إلا أنه على عكس المتعارف، كان يختار الخس الذابل ذا الأوراق الخشنة. ـ
وقفت أتأمله بدقة إلى أن نهض من الإنتقاء، وقدم الخس لصاحب الدكان ليزنه.. ووضعه السيد تحت عباءته ومضى، وكنت عندها طالباً شاباً، وكان المرحوم القاضي رجلاً مسناً.. فتبعته وقلت له: مولاي!.. لدي سؤال.. لماذا اخترت بعكس الجميع الخس غير المرغوب فيه؟
قال: عزيزي، هذا الرجل بائع فقير، وأنا أساعده أحياناً، ولا أريد أن أعطيه شيئاً بلا عوض لأحفظ له عزته وماء وجهه أولاً، ولا يعتاد على “الأخذ” مجاناً فيتكاسل في الكسب ثانياً
وبالنسبة لنا لا فرق بين الخس الطري والناعم أو هذا الخس، وأنا أعلم أن هذا الخس لن يشتريه منه أحد، وعندما يقفل دكانه ظهراً سوف يلقي بها بعيداً، ومنعاً لتضرره وخسارته فقد اشتريت هذا منه....
الدرس السابع : المتقون وعالم الغيب
لَوْ لاَ الأجل الَّذِي كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ لَمْ تَسْتَقِرَّ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ طَرْفَةَ عَيْن، شَوْقاً إِلَى الثَّوَابِ، وَخَوْفاً مِنَ الْعِقَابِ. عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ فَهُمْ وَالْجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُنَعَّمُونَ، وَهُمْ وَالنَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ.
يجد الباحثُ لدى مراجعته لكتب اللغة أن الغَيْبَ يُطْلَقُ على كُلِّ ما غاب عن الحواس و كان مستوراً و محجوباً عنها.
وقد تكرر استعمال لفظ «الغيب» وبعض مشتقاته في القرآن الكريم أربعاً وخمسين مرة، ومن تلك الآيات قوله تعالى: ( ... عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهو الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ) [90] ، ومن الملاحظ أن أول صفة وردت في القرآن الكريم تصف المتقين هي الإيمان بالغيب (ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) [91]، ولعل السبب في ذلك أن الإيمان بالغيب هو أصل كل اعتقاد وأساس كل عمل.
عن الإمام الحسن العسكري (ع) : «الذين يؤمنون بالغيب يعني ما غاب عن حواسهم من الأمور التي يلزمهم الإيمان بها كالبعث والنشور والحساب والجنة والنار وتوحيد الله تعالى وسائر ما لا يعرف بالمشاهدة وإنما يعرف بدلائل قد نصبها الله تعالى دلائل عليها»[92] .
إن الإيمان بالغيب من الخصائص المميزة للإنسان عن غيره من الكائنات. ذلك أن الحيوان يشترك مع الإنسان في إدراك المحسوس، أما الغيب فإن الإنسان وحده المؤهل للإيمان به بخلاف الحيوان. لذا كان الإيمان بالغيب ركيزة أساسية من ركائز الإيمان في الديانات السماوية كلها. فقد جاءت الشرائع بكثير من الأمور الغيبية التي لا سبيل للإنسان إلى العلم بها، أو يصعب عليه اكتشافها ومعرفتها إلا بطريق الوحي الثابت في الكتاب والسنة كالحديث عن صفات الله تعالى وأفعاله وعن السماوات السبع وما فيهن وعن الملائكة والنبيين والجنة والنار والشياطين والجن وغير ذلك من الحقائق الإيمانية الغيبية .
لا بد من التوقف عند نقطة هامة وهي أن الدين عندما يركّز على مسألة الإيمان بالغيب ووجود جانب روحي يرعى الإنسان ، لا يلغي مبدءاً أساسياً في الحياة وهو أن هذه الحياة تخضع في مظاهرها لقوانين طبيعية أودعها الله تعالى في الكون، ولذلك تدعو الآيات الكريمة والروايات الشريفة إلى التماس الأسباب الطبيعية المؤدية إلى النتائج المرجوّة، كالسعي لتحصيل الرزق، والتداوي لرفع الأمراض، (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى) [93] ، وهو في الوقت الذي يؤكد فيه أن النصر من عنده تعالى ، يكلف الإنسان بتجهيز أسبابه الطبيعية (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) [94] نعم إنما تؤدي الأسباب الطبيعية دورها بإذن الله تعالى، فهو الرزّاق وهو الشافي ...، فلا بد من التوكل عليه لتحصيل النتائج المرجوة.
بين الإيمان القلبي والإدراك العقلي
قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) [95] .
قد يدرك العقل حقيقة معينة من خلال الاستدلال، ولكن يمكن أن يبقى هذا الإدراك مجرد مسألة علمية يظهرها الإنسان ويتحدث بمضمونها عندما تدعو الحاجة، وهذا المستوى من الإدراك غير كافٍ، وعلينا أن نحوله إلى إيمان حقيقي من خلال الإذعان والاطمئنان القلبي والنفسي، وهذا ما يولّد الإيمان الحقيقي، ويصبح الإنسان فيه مطمئناً بعيداً عن الشك والريب كما تعبر الآية الكريمة، فالمؤمن من آمن قلبه وتيقن، وطالما لم يبلغ اليقين فإن نقطة الجهل والشك قائمة.
يقول الإمام الخميني قدس سره في كلام له حول درجات الإيمان:
«ثمة فرق كبير بين الإيمان القلبي والإدراك العقلي ، فكثير من الأمور التي يدركها الإنسان بعقله ويبرهن عليها قد لا تبلغ درجة الإيمان القلبي وكماله المتمثل في الاطمئنان، وذلك عندما لا يذعن القلب بما أدركه العقل» [96].
إن اليقين يشبه النور، وهو على مراتب, فكما النور على درجات فكذلك اليقين. والقرآن الكريم يذكر ثلاث مراتب لليقين: علم اليقين، عين اليقين، حق اليقين.
قال تعالى :( أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ *كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) [97] .
(وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ* فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيم) [98].
والمراد بعلم اليقين قبول ما ظهر من الحق ، وهو يملأ النفس رضى وقناعة بعد اضطراب الشك فيها.
أما عين اليقين؛ فهو الغنى بالاستدراك عن الاستدلال، وعن الخبر بالعيان، وخرق الشهود حجاب العلم. فهو شهود الأشياء ـ كما هي ـ بالكشف ولا مدخل فيه للنقل والاستدلال ـ كما في علم اليقين، فإنه يحصل بهما؛ بخلاف عين اليقين ـ فإنه لا يحصل إلاّ بالكشف.
وأما حق اليقين؛ وهو إسفار صبح الكشف، ثم الخلاص من كلفة اليقين، ثم الفناء في حق اليقين.
والفرق بينها ينكشف بالمثال : فعلم اليقين بالنار – مثلاً - هو مشاهدة آثارها كالدخان، وعين اليقين بها معاينة ورؤية نفس النار، وحق اليقين بها هو الاحتراق فيها.
إن هؤلاء المحبين إنما سرى حب الله في عروقهم لأنهم لا يرون محبوباً مستحقاً للحب سواه، ولا محبوباً في الحقيقة غيره وذلك لأسباب ثلاثة:
السبب الأول, حب الذات
وهو أمر فطري فلا نجد إنساناً إلا محباً لذاته وهو بالتالي محب لمن أوجد هذه الذات وهو الله جل شأنه، فهو موجدها من العدم إلى الوجود ومن الظلمة إلى النور وهو قوام كل ذات موجودة والمنعم عليها بسائر النعم، وفي الحديث عن الرسول(ص): «أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه» .
السبب الثاني, حب الكمال والجمال
وهذا أمر فطري فالإنسان بفطرته يميل نحو الكمال والجمال ولا يوجد جمال خالص وكمال مطلق إلا لله عز اسمه فهما منحصران فيه، وكل كامل سواه فكماله فرع لكماله، وكل جميل مقتبس جماله منه تعالى، وما دام الله هو الكمال المحض والجمال الخالص فهو أحق أن يكون محبوباً وحري بأن يكون معشوقاً.
السبب الثالث, طلب العزة والقوة
إن كل فعل يراد به غير الله سبحانه وتعالى فالغاية المطلوبة منه إما عزة في المطلوب يطمع فيها أو قوة يخاف منها، والعارفون بالله المحبون له لديهم يقين بأن ذلك كله بيد الله تعالى لا بيد غيره إذ يقول تعالى (فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا) [99]، ويقول سبحانه: (أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً) [100].
فمن خلال هذه الأسباب وأمثالها انغرست أشجار محبة الله في أفئدتهم وسرت في عروقهم فانقطعوا عن كل شيء سوى الله ، وانطبع هذا العلم والإدراك على أفعالهم وتصرفاتهم فكلها إلهية ملكوتية فلا يخطون خطوة إلا للتقرب إلى الله تعالى ولا يرجون ولا يخافون إلا الله ولا يرضون ولا يغضبون إلا لله وفي الله ، وبذلك تستقيم أخلاقهم بصورة طبيعية.
وكما في خطبة المتقين : «عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ».
الشوق إلى الجنة والإشفاق من النار
«لَوْلاَ الأجل الَّذِي كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ لَمْ تَسْتَقِرَّ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ طَرْفَةَ عَيْن، شَوْقاً إِلَى الثَّوَابِ، وَخَوْفاً مِنَ الْعِقَابِ».
فالمتقون شأنهم شأن سيدهم أمير المؤمنين وسيد المتقين الذي قال : «والله لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً».
هذا اليقين باليوم الآخر وثوابه وعقابه لا بد أن يكون له أثره في السلوك والعمل لذا يقول الإمام علي (ع) :«لا تجعلوا علمكم جهلاً ويقينكم شكاً إذا علمتم فاعملوا وإذا تيقنتم فأقدموا» [101].
لذا, فإن من اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات، ومن أشفق من النار اجتنب المحرمات، ومن زهد في الدنيا استهان بالمصيبات، ومن ارتقب الموت سارع إلى الخيرات.
خلاصة الدرس
يجد الباحثُ لدى مراجعته لكتب اللغة أن الغَيْبَ يُطْلَقُ على كُلِّ ما غاب عن الحواس و كان مستوراً و محجوباً عنها.
إن الإيمان بالغيب من الخصائص المميزة للإنسان عن غيره من الكائنات. ذلك أن الحيوان يشترك مع الإنسان في إدراك المحسوس، أما الغيب فإن الإنسان وحده المؤهل للإيمان به بخلاف الحيوان.
لذا كان الإيمان بالغيب ركيزة أساسية من ركائز الإيمان في الديانات السماوية كلها. فقد جاءت الشرائع بكثير من الأمور الغيبية.
إن الدين عندما يركّز على مسألة الإيمان بالغيب ووجود جانب روحي يرعى الإنسان، لا يلغي مبدءاً أساسياً في الحياة وهو أن هذه الحياة تخضع في مظاهرها لقوانين طبيعية أودعها الله تعالى في الكون، ولذلك تدعو الآيات الكريمة والروايات الشريفة إلى التماس الأسباب الطبيعية المؤدية إلى النتائج المرجوّة ، كالسعي لتحصيل الرزق.
إن اليقين يشبه النور، وهو على مراتب, فكما النور على درجات فكذلك اليقين.
والقرآن الكريم يذكر ثلاث مراتب لليقين:
علم اليقين، عين اليقين، حق اليقين.
إن هؤلاء المحبين إنما سرى حب الله في عروقهم لأنهم لا يرون محبوباً مستحقاً للحب سواه، ولا محبوباً في الحقيقة غيره وذلك لأسباب ثلاثة:
السبب الأول: حب الذات
السبب الثاني: حب الكمال والجمال
السبب الثالث: طلب العزة والقوة
أسئلة حول الدرس
1. ما المقصود بالغيب؟
2. بيّن أهمية الإيمان بالغيب .
3. ما الفرق بين الإيمان العقلي والإيمان القلبي ؟
4. كيف يتجلى إيمان المتقين بالغيب ؟
5. ما هي مراتب اليقين في القرآن الكريم؟
للحفظ
عن الإمام علي (ع) :
«ولَوْلاَ الأجل الَّذِي كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ لَمْ تَسْتَقِرَّ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ طَرْفَةَ عَيْن، شَوْقاً إِلَى الثَّوَابِ، وَخَوْفاً مِنَ الْعِقَابِ, عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ ، فَهُمْ وَالْجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُنَعَّمُونَ، وَهُمْ وَالنَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ».
أشعار الحكمة
إلهي وهذا الخلق ما بين نائم
ومنتبه في ليله يتضرعُ
وكلهم يرجو نوالك راجيا
برحمتك العظمى وفي الخلد يطمعُ
إلهي يمنيني رجائي سلامة
وقبح خطيئاتي علي يشنعُ
إلهي فإن تعفو فعفوك منقذي
وإلا فبالذنب المدمر أصرعُ
إلهي بحق الهاشمي وآله
وحرمة أبرار هم لك خشعُ
إلهي فأنشرني على دين أحمد
منيبا تقيا قانتا لك أخضعُ
ولا تحرمني يا إلهي وسيدي
شفاعته الكبرى فذاك المشفعُ
وصلِّ عليه ما دعاك موحد
وناجاك أخيار ببابك ركعُ
للمطالعة
نقل السيد حسين القاضي عن السيد الخوئي قدس سره قوله :
عندما كنت في النجف مشغولاً بتحصيل العلوم الدينية ، كنت ملتزماً بالآداب والسنن والأوراد والأذكار، وكنت أحضر أحياناً المجالس الأخلاقية المباركة للمرحوم السيد علي القاضي)، وأنتفع من أنفاسه القدسية، إلى أن قلت له يوماً: علمني شيئاً «والكلام للسيد الخوئي» أعمل به، فأعطاني عملاً وقال التزم به أربعين يوماً، فواظبت على أدائه، وفي اليوم الأربعين حصلت لي حالة مكاشفة فرأيت جميع الحوادث وكيفية حياتي ومستقبلي، ورأيت نفسي على المنبر أعطي درساً، ورأيت نفسي جالساً في المنزل والناس تتردد علي، ورأيت إمامتي لصلاة الجماعة، ومراجعات الناس لي، وحالات مختلفة، رأيت كل ذلك كمرآة تسير أمامي حتى وصلت إلى مكان سمعت فيه صوتاً من أعلى منارة حرم أمير المؤمنين (ع) يقول:
إنا لله وإنا إليه راجعون، انتقل إلى جوار ربه الكريم آية الله السيد الخوئي، ثم ارتفعت تلك الحالة عني، ورجعت إلى حالتي العادية.
الدرس الثامن : المتقون والدنيا
أَرَادَتْهُمُ الْدُّنْيَا وَلَمْ يُرِيدُوهَا، وَأَسَرَتْهُمْ فَفَدَوْا أُنْفُسَهُمْ مِنْهَا.
قُرَّةُ عَيْنِهِ فِي ما لاَ يَزُولُ، وَزَهَادَتُهُ فِي ما لاَ يَبْقَى.
صَبَرُوا أَيَّاماً قَصِيرَةً أَعْقَبَتْهُمْ رَاحَةً طَوِيلَةً، تِجَارَةٌ مَرْبِحَةٌ، يَسَّرَهَا لَهُمْ رَبُّهُم.
من مباحث نهج البلاغة التحذير عن الاغترار بالدنيا وعبادة المادة, وقد اعتنى الإمام أمير المؤمنين ومن قبله رسول الله (ص)ومن بعده سائر الأئمة الأطهار(ع) بهذا الأمر كثيراً، فتكلموا الكثير في التحذير من الاغترار بالدنيا، وفي فنائها وزوالها وزلاتها وعثراتها وأخطار الاعتناء بجمع المال والثروة، والتوفر على النعم، والمتع المادية والانهماك بها.
وقد يخلط البعض بين ذم الدنيا والحياة وكأنهما شيء واحد , وهذا ليس بصحيح على ضوء المنطق الإسلامي، إذ إنه يبتني على أساس التوحيد الخالص، والنفي لأي شريك لله في الخلقة والتكوين، فلا يمكن أن ينظر إلى العالم نظرة سيئة مقيتة، وإن فكرة (الفلك الظالم) و(ظلم الدهر) فكرة غير إسلامية فلا يمكن أن يكون ذم الدنيا في منطق الإسلام متوجهاً إلى الحياة.
إذن فماذا يعني ذم الدنيا في القرآن الكريم ونهج البلاغة؟ فليس المقصود من ذم الدنيا، ذم الحياة، ولا ذم العلاقات الطبيعية والفطرية، بل إن المقصود من ذلك، هو ذم العلاقة القلبية الموجبة لأسر الإنسان بيد الدنيا ومن في يده شيء منها. وهذا ما يمكن أن نسميه عبادة الدنيا، وهو الذي يكافحه الإسلام مكافحة شديدة، والإسلام في هذا يريد أن يردّ الإنسان إلى حالته الطبيعية في ضمن ناموس الحياة، فإن الإفراط في علاقة الإنسان بالدنيا خروج عن حالته الطبيعية.
المقصود من ذم الدنيا ألا تستبدل «الوسيلة بالغاية» و«الطريق بالهدف» و«وسيلة النجاة بسلاسل الأسر والعبودية» وهذا هو الذي ينبغي أن لا يكون، ولهذا نرى الإمام (ع) يقول: ويكرر: «الدنيا دار مجاز والآخرة دار قرار، فخذوا من ممركم لمقركم» والذي يحاربه الإمام والإسلام في تعاليمه وإرشاداته حرباً لا هوادة فيها، هو أن يجعل المرء هذه الحياة هدفاً وغاية لا طريقاً ووسيلة.
إن علاقة الإنسان بالدنيا كما يصفها الإمام (ع) كعلاقة الزارع بزرعه: «الدنيا مزرعة الآخرة» [102] أو علاقة المسابق بميدان السباق: «ألا وإن اليوم المضمار وغداً السباق، والسبقة الجنة والغاية النار» [103] أو علاقة العابد بالمسجد: «الدنيا.. مسجد أحباء الله»[104] ، ويمكننا أن نلخص القول من كلمات ردّ بها الإمام (ع) على من سمعه يذم الدنيا (غداة الندامة) وهو يحسبها متجرمة عليه:
«أيها الذام للدنيا، المغتر بغرورها المخدوع بأباطيلها ثم تذمها! أتغتر بالدنيا ثم تذمها؟ أنت المتجرم عليها أم هي المتجرمة عليك؟! متى استهوتك أم متى غرتك! أبمصارع آبائك من البلى أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى؟! كم عللت بكفيك وكم مرضت بيديك؟ أتبغي لهم الشفاء وتستو صف لهم الأطباء، لم ينفع أحدهم إشفاقك ولم تسعف فيه بطلبتك، ولم تدفع عنهم بقوتك. قد مثلت لك به الدنيا نفسك وبمصرعه مصرعك.
إن الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار عافية لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزوّد منها، ودار موعظة لمن اتعظ بها.... فذمها رجال غداة الندامة، وحمدها آخرون يوم القيامة، ذكرتهم الدنيا فتذكروا، وحدثتهم فصدقوا، ووعظتهم فاتعظوا» [105].
إذن، فالإسلام لا يرى العالم عبثاً، ولا وجود الإنسان فيه خطأً، ولا عواطفه الفطرية غلطاً.. وإذن: فماذا يعني ذم الدنيا في نهج البلاغة؟
أصناف الناس في التعاطي مع الدنيا
ما تقدم هو ما ينبغي أن تكون عليه علاقة الناس بالدنيا, ولكن واقع الحال يدل على تفاوت الناس في النظر إلى الدنيا والتعاطي معها، فهم بين:
1ـ من يجعل الدنيا أمام عينيه، والآخرة خلف ظهره.
وهؤلاء ذكرهم القرآن الكريم في قوله (إِنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ) [106].
وهذه الآية أيضاً إنما تنتقد أن يرضى الإنسان بالحياة الدنيا ويطمئن إليها ويغفل عن آيات الله ولا يرجو لقاء الله سبحانه.
وكذا قوله تعالى (فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا* ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ) [107] .
2ـ من يجعل الدنيا أكبر همّه، والآخرة - مع ذلك - نصب عينيه!
هي حالة العداوة والمنافرة، وهي الحالة التي يكون فيها مثلهما كمثل الضرّتين، أو المشرقين والمغربين والماشي بين هذين.
وما دام قد جعل همه الأساسي هو الدنيا، فهو بمقدار ذلك يبتعد عن الآخرة، فعن أمير المؤمنين : «إن الدنيا والآخرة عدوان متفاوتان، وسبيلان مختلفان، فمن أحب الدنيا وتولاها أبغض الآخرة وعاداها، وهما بمنزلة المشرق والمغرب وماش بينهما، كلما قرب من واحد بعد من الآخر، وهما بعد ضرتان» [108].
ومن الواضح أن الإسلام لا يمنع من الجمع بين العمل للآخرة وللدنيا بمعنى الاستفادة منها، وإنما الممنوع منه في الإسلام هو الجمع بينهما بمعنى الهدف والغاية.
3ـ من يجعل الدنيا وسيلة، والآخرة غاية.
وفي نهج البلاغة إشارة واضحة إلى هذا، حيث يقول (ع) :
«الناس في الدنيا عاملان: عامل في الدنيا للدنيا، قد شغلته دنياه عن آخرته، يخشى على من يخلف الفقر ويأمنه على نفسه، فيفني عمره في منفعة غيره. وعامل عمل في الدنيا لما بعدها، فجاءه الذي له من الدنيا بغير عمل، فأحرز الحظين معاً، وملك الدارين جميعاً، فأصبح وجيهاً عند الله لا يسأل الله حاجة فيمنعه» [109] .
دخل أمير المؤمنين (ع) على العلاء بن زياد الحارثي في البصرة - وهو من أصحابه – يعوده ، فلما رأى سعة داره قال (ع) :«ما كنت تصنع بسعة هذه الدار في الدنيا، وأنت إليها في الآخرة أحوج ؟ وبلى إن شئت بلغت بها الآخرة، تقري فيها الضيف، وتصل فيها الرحم، وتطلع منها الحقوق مطالعها فإذا أنت قد بلغت بها الآخرة».
فقال له العلاء: يا أمير المؤمنين، أشكو إليك أخي عاصم بن زياد، قال (ع) : وما له؟: قال: لبس العبادة وتخلى عن الدنيا قال علي (ع) علي به فلما جاء قال (ع) : «يا عدي نفسه : لقد استهام بك الخبيث أما رحمت اهلك وولدك، أترى اللّه قد احل لك الطيبات، وهو يكره أن تأخذها؟ أنت أهون على الله من ذلك».
قال : يا أمير المؤمنين هذا أنت في خشونة ملبسك، وجشوبة مأكلك قال : ويحك إني لست كأنت إن الله فرض على أئمة العدل أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس، كيلا يتبيّغ بالفقير فقره [110].
هم من الذين أدركوا حقيقة الدنيا ونظروا إليها نظرة واقعية , فعلموا أنها لا تبقى فزهدوا بها , وان الآخرة لا تزول فصرفوا قلوبهم ووجدانهم نحوها , كما قال الإمام : قُرَّةُ عَيْنِهِ فِي ما لاَ يَزُولُ، وَزَهَادَتُهُ فِي ما لاَ يَبْقَى.
وهذا هو شأن الإنسان العاقل الذي لا يفرط في الباقي من اجل الفاني كما قال تعالى : (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً) [111].
فلو أراد أن يكون واقعياً في نظرته إلى الحياة - والإنسان إنما ينال السعادة بالواقعية لا بالأوهام والخيالات - فلابدّ له من أن يجعل هذه الحقيقة نصب عينيه، ثم لا يغفل عنها أبداً .
ما من أحد إلا و يحتاج إلى شيء من متاع الدنيا،و يسعى إليه جاهداً, وتحصيل ذلك أمر مشروع , ولكن حاجته قد تكون في يد ظالم أو متكبر لا ينالها صاحبها إلا بتنازل عن بعض قيمه أو كرامته ،أو يقف دونها غير ذلك من الحواجز التيلا يتخطاها الإنسان إلا بالدخول في ما لا يليق , أو طمعاً في ما لا ضرورة فيه فيقدم من لا حرج له في ذلك , وهذا شأن العبيد لا الأحرار « الطمع رق مؤبد» [112]، وأما الأحرار فهم المتقون الذين يصبرون عن حاجتهم، و يضحونبها في سبيل دينهم وكرامتهم، وكان في مقدورهم أن يبلغوا من الدنيا ما يريدون لو تنازلوا عندينهم وكرامتهم،و لكنهم أبوا إلا مرضاة الله فكانوا الأحرار «أرادتهم الدنيا فلم يريدوها و أسرتهم ففدوا أنفسهم منها». حاولت الدنيا أن تمتلكهم و تستعبدهم بالمال والجاه، لكنّهم نظروا إليها بعين البصيرة وعرفوها حقّ المعرفة وعاشوا أحرارا لا سلطان عليهم إلا لله وحده .
خلاصة الدرس
ليس المقصود من ذم الدنيا، ذم الحياة، ولا ذم العلاقات الطبيعية والفطرية بل أن المقصود من ذلك، هو ذم العلاقة القلبية الموجبة لأسر الإنسان بيد الدنيا ومن في يده شيء منها. وهذا ما يمكن أن نسميه عبادة الدنيا، وهو الذي يكافحه الإسلام مكافحة شديدة.
المقصود من ذم الدنيا ألا تستبدل «الوسيلة بالغاية» و«الطريق بالهدف» و«وسيلة النجاة بسلاسل الأسر والعبودية» وهذا هو الذي ينبغي أن لا يكون.
إن علاقة الإنسان بالدنيا كما يصفها الإمام (ع) كعلاقة الزارع بزرعه: «الدنيا مزرعة الآخرة» أو علاقة التاجر بالمتجر: «إن الدنيا متجر أولياء الله» أو علاقة المسابق بميدان السباق: «ألا وإن اليوم المضمار وغداً السباق، والسبقة الجنة والغاية النار».
تفاوت الناس في النظر إلى الدنيا والتعاطي معها .
1ـ من يجعل الدنيا أمام عينيه، والآخرة خلف ظهره.
2ـ من يجعل الدنيا أكبر همّه، والآخرة - مع ذلك - نصب عينيه!
3ـ من يجعل الدنيا وسيلة، والآخرة غاية.
ما من أحد إلا و يحتاج إلى شيء من متاع الدنيا،و يسعى إليه جاهدا., وتحصيل ذلك أمر مشروع , ولكن حاجته قد تكون في يد ظالم أو متكبر لا ينالها صاحبها إلا بتنازل عن بعض قيمه أو كرامته ،أو يقف دونها غير ذلك من الحواجز التيلا يتخطاها الإنسان إلا بالدخول في ما لا يليق , أو طمعاً في ما لا ضرورة فيه فيقدم من لا حرج له في ذلك , وهذا شأن العبيد لا الأحرار « الطمع رق مؤبد»، وأما الأحرار فهم المتقون الذين يصبرون عن حاجتهم، و يضحونبها في سبيل دينهم و كرامتهم، وكان في مقدورهم أن يبلغوا من الدنيا ما يريدون لو تنازلوا عندينهم و كرامتهم، ولكنهم أبوا إلا مرضاة الله فكانوا الأحرار.
أسئلة حول الدرس
1. بيّن أهمية الدنيا على ضوء أحاديث أمير المؤمنين (ع) .
2. ماذا يعني ذم الدنيا في القرآن ونهج البلاغة ؟
3. بين أصناف الناس في التعاطي مع الدنيا.
4. ما هو حال المتقين , وكيف وصفهم أمير المؤمنين ؟
5. ما هو الفارق بين الأحرار والعبيد , بين ذلك من خلال وصف المتقين ؟
للحفظ
عن الإمام علي (ع) :
«أَرَادَتْهُمُ الْدُّنْيَا وَلَمْ يُرِيدُوهَا، وَأَسَرَتْهُمْ فَفَدَوْا أُنْفُسَهُمْ مِنْهَا.
قُرَّةُ عَيْنِهِ فِي ما لاَ يَزُولُ، وَزَهَادَتُهُ فِي ما لاَ يَبْقَى.
صَبَرُوا أَيَّاماً قَصِيرَةً أَعْقَبَتْهُمْ رَاحَةً طَوِيلَةً، تِجَارَةٌ مَرْبِحَةٌ، يَسَّرَهَا لَهُمْ رَبُّهُم».
أشعار الحكمة
إلهي لا تعذبني فإني
مقر بالذي قد كان مني
وما لي حيلة إلا رجائي
بعفوك إن عفوت وحسن ظني
فكم من زلة لي في الخطايا
عضضت أناملي وقرعت سني
يظن الناس بي خيرا وإني
لشر الخلق إن لم تعف عني
وبين يدي محتبس طويل
كأني قد دعيت له كأني
أجن بزهوة الدنيا جنونا
ويفنى العمر منها بالتمني
للمطالعة
رُويَ أن آية الله السيد هاشم القزويني (الموسوي المتوفى سنة 1909 م ), الذي كان من أكابر علماء الدين في كربلاء المقدسة, يدير الحوزة العلمية ويعطي الإهتمام الأكبر للأخلاق الإسلامية السامية في تربية الطلبة وطريقة التدريس ومعالجة القضايا الإجتماعية . ـ
فمما يُنقل عنه رحمه الله أنه كان يصلي الجماعة في صحن سيدنا أبي الفضل العباس بن علي (ع) ويؤم الناس في أوقات الصلاة وقد أُخبِرَ ذات يوم أن هناك - جهاز كرامافون- قد جُلِبَ إلى مدينة كربلاء ووُضِعَ في مقهى من المقاهي في منطقة الميدان, وتُبَثُّ منه الأغاني والموسيقى المحرمة ويجتمع الناس هناك للإستماع إليها، ويمتلىءُ المكان في الميدان للتفرج على الجهاز – الذي كان بالنسبة للناس شيئاً جديداً وغريباً في ذلك الوقت- والإستماع للغناء ، فتأثر السيد القزويني تأثراً شديداً ولكنه فكر بطريقة أخلاقية سامية لمعالجة تلك المشكلة فما كان منه إلا أن أمر بنقل سجادات الصلاة الطويلة - التي كانت تُفرش في الصحن الشريف على شكل صفوف للمصلين- إلى منطقة الميدان وتُفرشُ هناك، وأُعلِنَ في يومه أن الصلاة قد انتقلت من الصحن الشريف إلى الميدان وأسرع الناس يتساءلون عن الخبر؟
وكانت العادة يومئذ أن يستعد الناس للصلاة ويحضروا إلى الصحن الشريف قبل وقتها، فلما وجدوا أن السجادات غير موجودة, وهناك من يُعلِنُ أن الصلاة تُقَامُ هذا اليوم في الميدان, بادروا جميعاً إلى الحضور في المكان المذكور، ولما آن وقت الصلاة وبدأ المؤذن بالأذان حضر السيد القزويني الجليل في هيبة ووقار وتقدم للصلاة والناس يأتمون به بخشوع وما إن أتمَّ الصلاة حتى صعد المنبر الذي كان قد أُعِدَّ مُسبقاً وبدأ بما يناسب من ذكر الله سبحانه وتجليله وتهليله وتكبيره والثناء عليه وتذكير الناس بعظمة البارئ تعالى وشدة سطوته إذا غضب.
ثم ذكر نبي الإسلام العظيم محمد (ص) وما قدم من التضحيات في سبيل إعلاء كلمة الله تعالى ونشر الفضيلة في العالم وأنه (ص) قدم أُسرَتَهُ وأهل بيته(ع) قرابين في هذا السبيل حتى تقوم دولة الإسلام وتُرسي دعائمه في الأرض، وكان من أعظم قرابينه التي قدمها بعد حياته الطاهرة الكريمة هو الحسين بن علي(ع) والذي نتشرف نحن بشرف مجاورة قبره الطاهر هنا في كربلاء في هذه الأرض المقدسة التي ذكر الله سبحانه لأنبيائه الكرام مأساة كربلاء قبل وقوعها بآلاف السنين.
واستمر السيد هاشم القزويني رحمه الله في خطبته المؤثرة قائلاً: وإنكم لتعلمون بأن أنبياء الله الكرام قد بكوا لمصاب الحسين (ع) واحداً تلو الآخر حتى جاء دور نبينا العظيم محمد(ص)حيث إنه تسلم حفنةً من تراب كربلاء بواسطة جبرائيل (ع) وشمها وبكى بكاءً شديداً وأوصى إلى زوجته, ام سلمة, أن تحتفظ به في قارورة وترك لها علامة وهي تغير لون التراب إلى لون الدم عندما يُقتَلُ الحسين (ع) وهكذا كان وقد نقل التاريخ هذه الرواية بصدق ودقة.
وهنا إلتفت السيد القزويني (طيب الله ثراه) إلى المصلين وقال لهم: إن كل بقعة من هذه الأرض التي نقف عليها كانت مسرحاً للمعركة الدامية التي جرت يوم عاشوراء وإننا لو تطلعنا إلى هذه الارض وفحصناها لوجدنا تحتها وفي كل شبر قطرات من دم الحسين الشهيد أو إخوته أو أبنائه أو أصحابه الذين قُـتِلُوْا معه. ـ
ويستمر السيد القزويني قائلاً: أيها السادة لا تظنوا أن دماء الحسين وأصحابه وأهل بيته قد أُريقت في منطقة الحرم الشريف فحسب، إنها أُريقَتْ على جميع أرض كربلاء طولاً وعرضاً, فهل يجدر بنا بدل البكاء والنحيب أُسوةً برسول الله(ص)وأهل بيته - والتضرع إلى الله سبحانه بالدعاء والتقرب اليه، أن ترتفع أصوات الغناء والموسيقى وأنغام الشياطين من فوق هذا التراب المقدس وبأيدي المدعين حبهم وولاءهم؟
وهنا أجهش الناس بالبكاء والنحيب لمدة طويلة ثم بدأ السيد القزويني صلاة النوافل والإستعداد للصلاة الثانية والناس في بكاء ونحيب شديدين فما كان من صاحب المقهي إلا أن تقدم إلى السيد بالإعتذار عما بدر منه والإستغفار من الله سبحانه وتم إخراج ذلك الجهاز من كربلاء المقدسة.
الْخَيْرُ مِنْهُ مَأْمُولٌ، وَالشَّرُّ مِنْهُ مَأْمُونٌ.
يَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَهُ، وَيُعْطِي مَنْ حَرَمَهُ، وَيَصِلُ مَنْ قَطَعَهُ. بَعِيداً فُحشُهُ، لَيِّناً قَوْلُهُ، غَائِباً مُنْكَرُهُ، حَاضِراً مَعْرُوفُهُ، مُقْبِلاً خَيْرُهُ، مُدْبِراً شَرُّهُ. لاَ يَحِيفُ عَلَى مَنْ يُبْغِضُ، وَلاَ يَأْثَمُ فِيمَنْ يُحِبُّ. يَعْتَرِفُ بِالْحَقِّ قَبْلَ أَنْ يُشْهَدَ عَلَيْهِ.
لاَ يُضَيِّعُ مَا اسْتُحْفِظَ، وَلاَ يَنْسَى مَا ذُكِّرَ، وَلاَ يُنَابِزُ بِالألْقَابِ، وَلاَ يُضَارُّ بالْجارِ، وَلاَ يَشْمَتُ بالْمَصَائِبِ، وَلاَ يَدْخُلُ فِي الْبَاطِلِ، ولاَ يَخْرُجُ مِنَ الْحَقِّ. إِنْ بُغِيَ عَلَيْهِ صَبَرَ حَتّى يَكُونَ اللهُ هُوَ الَّذِي يَنْتَقِمُ لَهُ. نَفْسُهُ مِنْهُ فِي عَنَاء، وَالنَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَة. أَتْعَبَ نفسه لآخِرَتِهِ، وَأَرَاحَ النَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ. بُعْدُهُ عَمَّنْ تَبَاعَدَ عَنْهُ زُهْدٌ وَنَزاهَةٌ، وَدُنُوُّهُ مِمَّنْ دَنَا مِنَهُ لِينٌ وَرَحْمَةٌ، لَيْسَ تَبَاعُدُهُ بِكِبْر وَعَظَمَة، وَلاَ دُنُوُّهُ بِمَكْر وَخَدِيعَة.
هذه جملة خصال الخير في التعامل مع الناس, ذكرها أمير المؤمنين (ع) في وصف المتقين وقد أجملها حفيده الإمام زين العابدين (ع) في دعاء له معروف بدعاء مكارم الأخلاق «أللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَسَدِّدْنِي لأنْ أعَـارِضَ مَنْ غَشَّنِي بِالنُّصْـحِ، وَأَجْـزِيَ مَنْ هَجَرَنِي بِالْبِرِّ وَأُثِيبَ مَنْ حَرَمَنِي بِالْبَذْلِ وَأُكَافِيَ مَنْ قَطَعَنِي بِالصِّلَةِ وأُخَـالِفَ مَنِ اغْتَابَنِي إلَى حُسْنِ الذِّكْرِ، وأن أشكر الْحَسَنَةَ وأغضي عَنِ السَّيِّئَـةِ.أللَّهُمَّ صَـلِّ عَلَى مُحَمَّـد وَآلِـهِ وَحَلِّنِي بحلية الصالحين، وَأَلْبِسْنِي زِينَةَ المُتَّقِينَ فِيْ بَسْطِ الْعَدْلِ وَكَظْمِ الْغَيْظِ وَإطْفَاءِ النَّائِرَةِ وَضَمِّ أَهْلِ الْفُرْقَةِ وَإصْلاَحِ ذَاتِ الْبَيْنِ وَإفْشَاءِ الْعَارِفَةِ، وَسَتْرِ الْعَائِبَةِ، وَلِينِ الْعَرِيكَةِ، وَخَفْضِ الْجَنَـاحِ، وَحُسْنِ السِّيرَةِ، وَسُكُونِ الرِّيـحِ، وَطِيْبِ الْمُخَالَقَـةِ، وَالسَّبْقِ إلَى الْفَضِيلَةِ، وإيْثَارِ التَّفَضُّلِ، وَتَرْكِ التَّعْبِيرِ وَالإفْضَالِ عَلَى غَيْرِ الْمُسْتَحِقِّ وَالـقَوْلِ بِالْحَقِّ وَإنْ عَـزَّ وَاسْتِقْلاَلِ الخَيْـرِ وَإنْ كَثُـرَ مِنْ قَـوْلِي وَفِعْلِي، وَاسْتِكْثَارِ الشَّرِّ وَإنْ قَلَّ مِنْ قولي وفعلي».
ومعظم الصفات المذكورة في كلام أمير المؤمنين (ع) – إن لم يكن جميعها – المذكورة في كلامه بعنوان صفات المتقين، في الواقع هي من صفات و مقتضيات إنسانية الإنسان، فمقتضى الإنسانية و الطبع الإنساني السليم أن يكون الإنسان متصفاً بمكارم الأخلاق ومرضي الصفات . وقد ذكر أمير المؤمنين الكثير من فضائل المتقين , لا سيما في ما خص علاقتهم بالناس من حولهم , فما هو ديدنهم وسبيلهم الذي سلكوه ؟
في هذا المجال يمكن الوقوف عند عناوين عديدة هي:
وهذا الأمر من أولى مقتضيات الإسلام والإيمان, فعن رسول الله(ص):»المسلم من سلم الناس من يده ولسانه» [113], فكيف بمن ارتقى درجات في اليقين والتقوى، بل هذه من خصوصيات إنسانية الإنسان قبل ان تكون من خصوصيات وإقتضاءات التقوى.
فالإنسان الذي يكون حقاً إنساناً الخير منه مأمول، و الشر منه مأمون، فلا يضر غيره بغير حق، و لا يشوه سمعته، و لا يتعدى على ماله، و لا يغشه، و لا يبهت عليه، و لا يزور عليه، و لا يبيّن و لا يفضح معائبه أمام الناس، هذا مقتضى إنسانية الإنسان، فمن لا يتمتع بهذه الخصال و الصفات الحميدة، و الإنسان الذي لا يؤمن شره فليس إنسان، حيث انه لم يتخلق بالأخلاق الإنسانية فمن يكون واقعاً إنساناً يجب أن يكون بهذه المثابة: «الخير منه مأمول»، إذا راجعته و أردت منه حاجة فالخير منه مأمول، و يحتمل فيه و منه ان يشفع لك شفاعة بحق، أن يعينك، ان ينصحك، ان يقدم لك ما في وسعه ...، تأمل منه الخير، الإنسان الذي يكون إنساناً هذه طبيعته.
ومن مفردات الخير المأمول والشر المأمون :
«لا َ يُضَيِّعُ مَا اسْتُحْفِظَ، وَلاَ يَنْسَى مَا ذُكِّرَ وَلاَ يُنَابِزُ بالألقاب»[114] وذلك لملاحظته النهي في الذكر الحكيم: (وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ) والسرّ في ذلك النهي كونه مستلزماً لإثارة الفتن والتباغض بين الناس و الفرقة المضادّة لمطلوب الشارع.
«وَلاَ يُضَارُّ بالْجارِ» لوجوب كفّ الأذى عن الجار كما صرّح به العديد من الروايات.
عن الإمام محمد الباقر (ع) :«قرأت في كتاب عليّ (ع) انّ رسول اللّه(ص)كتب بين المهاجرين والأنصار ومن لحق بهم من أهل يثرب: انّ الجار كالنفس غير مضارّ و لا اثم، وحرمة الجار على الجار كحرمة أمه».
ولأهمية حقوق الجار نجد أن الله تبارك وتعالى قد أكد عليه في القرآن الكريم: (وَالْجَار ذِي القربى وَ الْجَار الجُنُبِ) [115]، حتى وصل الاهتمام إلى درجة قال فيها النبي (ص)– كما في الرواية - :«أوصاني ربّي بالجار حتّى ظننت أنّه يورّثه » [116].
«وَلاَ يَشْمَتُ بالْمَصَائِبِ». لأنّ المصائب النازلة إنما هي بقضاء من اللّه عزّ وجلّ وقدره، والشامت بسبب نزولها بغيره في معرض أن تصيبه مثلها فكيف يشمت ويفرح بمصيبة نزلت به .
عن الإمام أبي عبد اللّه جعفر الصادق (ع) :«لا تبدِ الشماتة لأخيك فيرحمه اللّه و يصيّرها بك» [117] .
إن عدم وقوع المصيبة عليك هو رحمة إلهية تستوجب الشكر، والشكر يكون بالطاعة، وإظهار الشماتة أذية ومعصية، فهي في الحقيقة كفران بالنعمة لا شكرٌ لها، وقد قال تعالى (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) [118]، وكان الأولى أن يقول ما ورد في الرواية عن الإمام الصادق (ع) :«من نظر إلى ذي عاهة أو من قد مثل به أو صاحب بلاء فليقل سراً في نفسه من غير أن يسمعه: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، ولو شاء لفعل بي ذلك، ثلاث مرات، فإنه لا يصيبه ذلك أبداً»[119] .
قال تعالى: (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [120] ، (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [121] ، (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) [122].
هذه الصّفات الثلاث «يعفو عمّن ظلمه و يعطي من حرمه و يصل من قطعه» من مكارم الأخلاق ومحامد الخصال ، فالاولى مندرجة تحت الشجاعة، والثانية مندرجة تحت السخاء، والثالثة مندرجة تحت العفّة.
وعن رسول اللّه(ص)في خطبة: ألا أخبركم بخير خلايق الدّنيا والآخرة : العفو عمّن ظلمك وتصل من قطعك، والإحسان إلى من أساء إليك، وإعطاء من حرمك.
ومعنى هذه الأمور الثلاثة:
1 - من صفات الكرام العفو عن الظّلم والتّجاوز عن المسيء، ومن صفات اللّئام الانتقام و طلب التّشفي و المعاقبة لدفع الغيظ و هي آفات نفسانية تصيب الجهّال والنّاقصين.
2 - إعطاء من حرمك، والمقصود به أنّه إذا أحسنت إلى أحد و لم يقابل إحسانك بإحسان أو قابلك بالإساءة والكفران، فلا ترغب عن إحسانه بكفرانه، فانّه إذا لم يشكرك فقد يشكرك غيره، ولو لم يشكرك أحد فانّ اللّه يحبّ المحسنين كما نطق به الكتاب المبين، وكفى شرفا وفضلا بأن تخاطب بخطاب أين أهل الفضل يوم حشر الأوّلين والآخرين .
3 - صلة من قطعك والمراد بها وصله بالمال واليد واللسان ومراقبة أحواله بقدر الإمكان لاسيما إذا كان من الأرحام.
وستظهر هذه الصفات في الآخرة لتعزّ صاحبها بين الخلائق وتجعله من أهل الجنة، فعن الإمام عليّ بن الحسينL:«إذا كان يوم القيامة جمع اللّه تبارك وتعالى الأوّلين والآخرين في صعيد واحد ثمّ ينادى مناد أين أهل الفضل، قال: فيقوم عنق من النّاس فتلقّاهم الملائكة فيقولون : وما كان فضلكم ؟ فيقولون: كنّا نصل من قطعنا ونعطي من حرمنا ونعفو عمن ظلمنا، قال: فيقال لهم: صدقتم ادخلوا الجنّة»[123] .
إنّ تباعد التقي و تدانيه عمّن تباعد عنه و دنا منه من باب المواظبة على الوظائف و الآداب الشرعيّة، فليس تباعده بكبر و عظمة و لا دنوّه بمكر و خديعة، كما قد يكون من أبناء الدّنيا و ذوي الأغراض الفاسدة، ومن شأن أهل النفاق الذين يخادعون اللّه ولا يخدعون إلا أنفسهم ، (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) [124] .
فالمخالطة للناس أو النأي والابتعاد عنهم لا تحكمه المصالح الضيقة أو الأهواء والنوازع النفسية بل يقومان كما يذكر الإمام علي (ع) :«بعده عمّن تباعد عنه زهد و نزاهة» فبعده عن أهل الدّنيا وعن مجالسهم من باب الزّهد والتباعد عن مكروههم وأباطيلهم. التزاماً بقوله تعالى : (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ) [125]. وقول النبي(ص)ـ كما في الرواية عنه ـ : «جالسوا من يذكركم بالله رؤيته, ويزيد في علمكم منطقه»[126] .
وإن من عوامل بناء النفس مجالسة من رؤيتهم تذكر بالله - عز وجل - فمجالستهم تريك ما في نفسك من قصور وضعف وعيوب، فتصلحها وتهذبها، يذكرونك إن نسيت، ويرشدونك إن جهلت، يأخذون بيدك إن ضعفت، مرآة لك ولأعمالك، إن افتقرت أغنوك، وإن دعوا الله لن ينسوك ،هم القوم الذين لا يشقى بهم جليسهم، من جالسهم وأحبهم أذاقه الله حلاوة الإيمان التي فقدها الكثيرون.
وعن أبي عبد الله (ع) أنه قال: «إياك ومخالطة السفلة فإن السفلة لا يؤول إلى خير» [127].
قال الشيخ الصدوق في شرح معنى السفلة :«جاءت الأخبار في معنى السفلة على وجوه:
فمنها: أن السفلة هو الذي لا يبالي ما قال ولا ما قيل له.
ومنها: أن السفلة من يضرب بالطنبور.
ومنها: أن السفلة من لم يسره الإحسان ولا تسوؤه الإساءة. والسفلة: من ادعى الإمامة وليس لها بأهل. وهذه كلها أوصاف السفلة، من اجتمع فيه بعضها أو جميعها وجب اجتناب مخالطته» [128].
كما ان دنوّه ممّن دنا منه لين و رحمة و من باب التعاطف و التواصل كما قال تعالى : (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) [129].
عن الإمام أبي عبد اللّه الصادق (ع) يقول لأصحابه :«اتّقوا اللّه و كونوا أخوة بررة متحابّين في اللّه متواصلين متراحمين تزاوروا وتلاقوا وتذاكروا أمرنا وأحيوه».
فالواحد منهم كما قال الإمام علي (ع) :«لاَ يَحِيفُ عَلَى مَنْ يُبْغِضُ، وَلاَ يَأْثَمُ فِيمَنْ يُحِبُّ. يَعْتَرِفُ بِالْحَقِّ قَبْلَ أَنْ يُشْهَدَ عَلَيْهِ». وهم المصداق البارز والأجلى لقول أمير المؤمنين (ع) الذي رسم منهاج العدل الاجتماعي بإيجاز وبلاغة، قائلاً لابنه:«يا بُني اجعل نفسك ميزاناً فيما بينك وبين غيرك، فأحبب لغيرك ما تحب لنفسك، وأكره له ما تكره لها، ولا تظلم كما لا تحب أن تُظلَم، وأحسن كما تحب أن يحسن إليك، واستقبح من نفسك ما تستقبح من غيرك، وأرض من الناس بما ترضاه لهم من نفسك، ولا تقل ما لا تعلم وإن قل ما تعلم، ولا تقل ما لا تحب أن يقال لك» [130].
وقد أوصى (ع) ابنه الكريم أن يكون عادلا في ما بينه وبين الناس كالميزان، ثم أوضح له صور العدل وطرائقه إيجابا وسلبا.
هذا, وللعدل صور مشرفة تشع بالجمال والجلال، وإليك أهمها:
1ـ عدل الإنسان مع الله عز وجل، وهو أزهى صور العدل، وأسمى مفاهيمه، وجماع العدل مع الله تعالى يتلخص في الإيمان به، وتوحيده، والإخلاص له، وتصديق سفرائه وحججه على العباد، والاستجابة لمقتضيات ذلك من حبه والتشرف بعبادته، والدأب على طاعته، ومجافاة عصيانه.
2ـ عدل الإنسان مع المجتمع، وذلك برعاية حقوق أفراده، وكف الأذى والإساءة عنهم، وسياستهم بكرم الأخلاق، وحسن المداراة وحب الخير لهم، والعطف على بؤسائهم ، ونحو ذلك من محققات العدل الاجتماعي.
3 – عدل الإنسان مع نفسه ، بفعل الطاعة وترك المعصية ، والالتزام بالحكم الشرعي، لأن مخالفة الحكم الشرعي ظلم للنفس ونقلها من ساحة الرحمة الإلهية لتصبح في معرض الغضب الإلهي مستحقة للنار. (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ) [131].
فطرت النفوس السليمة على حب العدل ، وبغض الظلم واستنكاره. فالعدل هو سر حياة الأمم، ورمز فضائلها، وقوام مجدها وسعادتها، وضمان أمنها ورخائها، وأجل أهدافها وأمانيها في الحياة.
وقد كان النبي(ص)وأهل البيت(ع) المثل الأعلى للعدل، وكانت أقوالهم وأفعالهم دروسا خالدة تنير للإنسانية مناهج العدل والحق والرشاد.
وإليك نماذج من عدلهم، بل هي في الحقيقة نماذج من رحمتهم :
قال سوادة بن قيس للنبي(ص)في أيام مرضه: يا رسول الله إنك لما أقبلت من الطائف استقبلتك وأنت على ناقتك العضباء، وبيدك القضيب الممشوق، فرفعت القضيب وأنت تريد الراحلة، فأصاب بطني، فأمره النبي أن يقتص منه، فقال: اكشف لي عن بطنك يا رسول الله فكشف عن بطنه، فقال سوادة: أتأذن لي أن أضع فمي على بطنك، فأذن له فقال: أعوذ بموضع القصاص من رسول الله من النار، فقال(ص): يا سوادة بن قيس أتعفو أم تقتص؟ فقال: بل أعفو يا رسول الله. فقال: اللهم أعف عن سوادة بن قيس كما عفا عن نبيك محمد [132].
خلاصة الدرس
مقتضى الإنسانية و الطبع الإنساني السليم أن يكون الإنسان متصفاً بمكارم الأخلاق ومرضي الصفات . وقد ذكر أمير المؤمنين الكثير من فضائل المتقين , لا سيما في ما خص علاقتهم بالناس من حولهم.
الخير مأمول والشر مأمون
فالإنسان الذي يكون حقاً إنساناً الخير منه مأمول، و الشر منه مأمون، فلا يضر غيره بغير حق، و لا يشوه سمعته، و لا يتعدى على ماله، و لا يغشه، و لا يبهت عليه، و لا يزور عليه، و لا يبيّن و لا يفضح معائبه أمام الناس، هذا مقتضى إنسانية الإنسان.
العفو والصفح
علاقة أساسها النزاهة والرحمة
إنّ تباعد التقي و تدانيه عمّن تباعد عنه و دنا منه من باب المواظبة على الوظائف و الآداب الشرعيّة فليس تباعده بكبر و عظمة و لا دنوّه بمكر وخديعة، كما قد يكون من أبناء الدّنيا وذوي الأغراض الفاسدة، ومن شأن أهل النفاق الذين يخادعون اللّه ولا يخدعون إلا أنفسهم.
المتقون هم أهل العدل
فالواحد منهم كما قال الإمام علي (ع) :«لاَ يَحِيفُ عَلَى مَنْ يُبْغِضُ، وَلاَ يَأْثَمُ فِيمَنْ يُحِبُّ. يَعْتَرِفُ بِالْحَقِّ قَبْلَ أَنْ يُشْهَدَ عَلَيْهِ».
وللعدل صور مشرفة تشع بالجمال والجلال، وإليك أهمها:
1ـ عدل الإنسان مع الله عز وجل
2ـ عدل الإنسان مع المجتمع
3 – عدل الإنسان مع نفسه
محاسن العدل
فطرت النفوس السليمة على حب العدل ، وبغض الظلم واستنكاره. فالعدل هو سر حياة الأمم، ورمز فضائلها، وقوام مجدها وسعادتها، وضمان أمنها ورخائها، وأجل أهدافها وأمانيها في الحياة.
أسئلة حول الدرس
1. ما هو المأمول والمأمون من المتقين؟
2. ما هي خير خلائق (أخلاق) الدنيا والآخرة بحسب قول النبي(ص)؟
3. ما هي الأسس التي تحكم علاقة المتقين بالناس ؟
4. ما معنى العدل , بين أهمية ذلك من كتاب الله ؟
5. كيف يتجلى عدل المتقين , ومن خلال ماذا ؟
للحفظ
عن الإمام علي (ع) :
«الْخَيْرُ مِنْهُ مَأْمُولٌ، وَالشَّرُّ مِنْهُ مَأْمُونٌ.
يَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَهُ، وَيُعْطِي مَنْ حَرَمَهُ، وَيَصِلُ مَنْ قَطَعَهُ. بَعِيداً فُحشُهُ، لَيِّناً قَوْلُهُ، غَائِباً مُنْكَرُهُ، حَاضِراً مَعْرُوفُهُ، مُقْبِلاً خَيْرُهُ، مُدْبِراً شَرُّهُ. لاَ يَحِيفُ عَلَى مَنْ يُبْغِضُ، وَلاَ يَأْثَمُ فِيمَنْ يُحِبُّ. يَعْتَرِفُ بِالْحَقِّ قَبْلَ أَنْ يُشْهَدَ عَلَيْهِ.
لاَ يُضَيِّعُ مَا اسْتُحْفِظَ، وَلاَ يَنْسَى مَا ذُكِّرَ، وَلاَ يُنَابِزُ بِالاْلْقَابِ، وَلاَ يُضَارُّ بالْجارِ، وَلاَ يَشْمَتُ بالْمَصَائِبِ، وَلاَ يَدْخُلُ فِي الْبَاطِلِ، ولاَ يَخْرُجُ مِنَ الْحَقِّ. إِنْ بُغِيَ عَلَيْهِ صَبَرَ حَتّى يَكُونَ اللهُ هُوَ الَّذِي يَنْتَقِمُ لَهُ. نَفْسُهُ مِنْهُ فِي عَنَاء، وَالنَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَة. أَتْعَبَ نفسه لآخِرَتِهِ، وَأَرَاحَ النَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ. بُعْدُهُ عَمَّنْ تَبَاعَدَ عَنْهُ زُهْدٌ وَنَزاهَةٌ، وَدُنُوُّهُ مِمَّنْ دَنَا مِنَهُ لِينٌ وَرَحْمَةٌ، لَيْسَ تَبَاعُدُهُ بِكِبْر وَعَظَمَة، وَلاَ دُنُوُّهُ بِمَكْر وَخَدِيعَة».
أشعار الحكمة
ألا يا خائضا بحر الأماني
هداك الله ما هذا التواني
أضعت العمر عصيانا وجهلا
فمهلا أيها المغرور مهلا
مضى عصر الشباب وأنت غافل
وفي ثوب العمى والغي رافل
إلى كم كالبهائم أنت هائم
وفي وقت الغنائم أنت نائم
وطرفك لا يرى إلا طموحا
ونفسك لم تزل أبدا جموحا
وقلبك لا يفيق عن المعاصي
فويلك يوم يؤخذ بالنواصي
للمطالعة
قال أحد كبار العلماء من تلامذة الشيخ مرتضى الأنصاري. رأيت في المنام شخصاً يشبه الشيطان وعلى كتفه مجموعة حبال!
سألته: من أنت؟
قال: أنا الشيطان.
وسألته: إلى أين ذاهب أنت أيها الشيطان؟
قال: أبحث عمّن أقلّد حبالي في عنقه، فأجرّه إليّ، ولقد حاولت بالأمس أن أجرّ الشيخ الأنصاري حتى أخرجتُه من حجرته إلى نصف الطريق ولكنه قطع الحبال وعاد إلى البيت!
يقول العالم: عندما استيقظت، تشرفتُ بزيارة الشيخ ونقلت له رؤياي هذه.
فقال الشيخ: نعم، كاد الملعون بالأمس يخدعني، لأني كنت احتاج إلى مبلغ بسيط من المال (ما يعادل درهماً) إذ لم يكن لدي شيء للعيال، فقلت في نفسي: اقترض من مال المسلمين الموجود بيدي وأسدّ به حاجتي الآن، ثم أسدّد القرض فيما بعد.
فأخذت منه وأنا متردد في ذلك، خرجت من الحجرة إلى الطريق وأنا أفكر في المسألة، وفجأة، قررتُ إرجاع المال، فعدت به إلى محله سريعاً!
لاَ يَرْضَوْنَ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الْقَلِيلَ، وَلاَ يَسْتَكْثِرُونَ الْكَثِيرَ وَمِنْ أَعْمَالِهِمْ مُشْفِقُونَ. فَهُمْ لأنفسهم مُتَّهِمُونَ، إِذَا زُكِّيَ أَحَدٌ مِنْهْمْ خَافَ مِمَّا يُقَالُ لَهُ، فَيَقُولُ: أَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِن غَيْرِي، وَرَبِّي أَعْلَمُ مِنِّي بِنَفْسي! اللَّهُمَّ لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا يَقُولُونَ، وَاجْعَلْنِي أَفْضَلَ مِمَّا يَظُنُّونَ، وَاغْفِرْ لِي مَا لاَ يَعْلَمُونَ. إِنِ اسْتَصْعَبَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فِيَما تَكْرَهُ لَمْ يُعْطِهَا سُؤْلَهَا فِي ما تُحِبُّ.
إن علاقة الإنسان بنفسه ونظرته إليها يحددان مسار ومصير الإنسان, إن في جنات ونعيم ورضا الرب الغفار, أو في عذاب وجحيم وغضب الرب الجبار .
فالذي يرضى بالقليل من العمل ويستكثره , ويعجب بنفسه وينقاد لرغباتها ولا يتعاهدها بالإصلاح لا يلبث أن يخسر , وهذا هو حال الغافلين غير المغفول عنهم, وأما المتقون فشأنهم الزهد بالكثير وعدم الرضا بالقليل , وهم لأنفسهم متهمون, كما وصفهم أمير المؤمنين وسيد المتقين.
وقد تحدث القرآن الكريم والروايات الشريفة عن النفس الإنسانية ومراتبها وضرورة تزكيتها وعدم التغافل عنها، نورد الحديث عن إحدى منازلها لتستبين سبيل المتقين.
قال تعالى: (وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ) [133] ، النفس اللوامة هي التي تلوم صاحبها لوماً شديداً على ارتكاب الشر أو التقصير في عمل الخير.
إن المراد بلوم النفس أن يعتاد الإنسان على ملاحظة نفسه في أقوالها وأعمالها وحركاتها وسكناتها ليتابعها ويراجعها حين تنحرف أو تهم بشيء من الانحراف ليعيدها إلى الصراط ويلزمها به، وكذلك يراجعها وهي تسعى في مجال الخير ليفجر فيها ينابيع النشاط والقوة والاجتهاد حتى تزداد من الخير وتجتهد في ميدان البر, والإنسان بهذه الفضيلة الأخلاقية القرآنية يقيم من نفسه على نفسه حارساً يقظاً حذراً يمنعها من السوء ويدفعها إلى الطيب من العمل والقول والتفكير، وكأن هذه المتابعة للنفس هي ما يسميه أهل عصرنا بسلطة الضمير، فحتم على كل ذي حزم آمن بالله واليوم الآخر ألا يغفل عن محاسبة نفسه.
والمؤسف في دنيا الناس أننا نجد الكثيرين منهم يلومون غيرهم ويقسون في الحكم على سواهم، ويحصون على من عداهم كل صغيرة وكبيرة ثم هم لا يفكرون في أن يردعوا أنفسهم بعقاب أو عتاب. وذلك بخلاف المفاهيم الإسلامية التي تأمر بحسن الظن بالآخرين (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ) [134] ، وسوء الظن بالنفس (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ) [135] ، وفي الرواية عن رسول الله(ص): «أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك» [136].
ورد في رواية أن رسول الله(ص)أوصى أبا ذر فقال: «يا أبا ذر حاسب نفسك قبل أن تحاسب، فإنه أهون لحسابك غداً، وزن نفسك قبل أن تُوزن، وتجهز للعرض الأكبر يوم تعرض لا تخفى على الله خافية». وعنه(ص): «يا أبا ذر لا يكون الرجل من المتقين حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة الشريك شريكه، فيعلم من أين مطعمه، ومن أين مشربه، ومن أين ملبسه، أمِن حلال أو من حرام. يا أبا ذر من لم يُبال من أين اكتسب المال لم يبال الله من أين أدخله النار»[137] .
وعن الإمام زين العابدين (ع) :«ابن آدم إنك لا تزال بخير ما كان لك واعظ من نفسك وما كانت المحاسبة من همك، ابن آدم إنك ميت، ومبعوث، وموقوف بين يدي الله فأعدَّ جواباً» [138].
«فَهُمْ لأنفسهم مُتَّهِمُونَ».
إن من دلائل الإخلاص وعلامات المخلصين اتهامهم لأنفسهم بالتقصير في حق الله ، وعدم القيام بالعبودية لمالك الملك ، قال تعالى (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) [139] فالمتقي يحاول دائماً أن يتهم نفسه ليكتشف العناصر السلبية الخفيّة في داخلها، فغياب الشعور بألم الذنوب الصغيرة مثلاً ، وسيلة كبرى لاقتراف ذنوب كثيرة وعن الإمام الصادق (ع) :«إياكم ومحقرات الذنوب فإن لها من الله طالبا , وإنها لتجتمع على المرء حتى تهلكه» [140]. ومهما كانت همة الإنسان، إلا أنه عليه دائما أن يُشْعِرُ نفسه بأنه مقصر ، وأنه مفرِّط ، وليس ذلك من أجل اليأس والإحباط ، وإنما من أجل الرُّقي ببناء النفس، وإعطائها الاهتمام الأكبر...
عن الفضل بن يونس عن أبي الحسن (ع) قال : أكثر من أن تقول: اللّهم لا تجعلني من المعارين و لا تخرجني من التقصير ، قال : قلت له : أمّا المعارون فقد عرفت إنّ الرّجل يعار الدّين ثمّ يخرج منه ، فما معنى لا تخرجني من التقصير ؟
فقال : كلّ عمل تريد به وجه اللّه فكن فيه مقصّرا عند نفسك فانّ النّاس كلّهم في أعمالهم في ما بينهم و بين اللّه مقصّرون إلاّ من عصمه اللّه [141] .
و عن رسول اللّه (ص): قال اللّه عزّ و جلّ :«لا يتّكل العاملون لي على أعمالهم الّتي يعملونها لثوابي ، فانّهم لو اجتهدوا وأتعبوا أنفسهم أعمارهم في عباداتي كانوا مقصّرين غير بالغين في عبادتهم كنه عبادتي فيما يطلبون عندي من كرامتي والنعيم في جنّاتي و رفيع الدّرجات العلى في جواري ولكن برحمتي فليثقوا، و فضلي فليرجوا، والى حسن الظنّ بي فليطمئنّوا».
ومن الوسائل العملية التي تساعد الإنسان على الشعور بالتقصير ما يلي :
1ـ صحبة أصحاب الهمم ، لأن ذلك يُفضي مباشرةً إلى الإقتداء ، واكتشاف الضعف الذي لديك ، وهذا مؤشر قوي في اكتشاف نفسك من ناحية التقصير...
2ـ قراءة سيرة الرسول(ص)، فسيرته تعطر الهمم، وتستنفر العزائم، وتنير الدروب ، فلو قرأ الإنسان في كل يوم صفحتين من سيرته الخالدة لكان ذلك أدعى إلى علاج النفس بصورة مباشرة وغير مباشرة، وكذلك سيرة أهل البيت(ع)، ولقد قام رسول اللّه(ص)كما فى رواية الاحتجاج عن الكاظم عن أبيه عن آبائه عن أمير المؤمنين(ع) عشر سنين على أطراف أصابعه حتى تورّمت قدماه و اصفرّ وجهه يقوم اللّيل أجمع حتى عوتب فى ذلك فقال اللّه تعالى (طه ما انزلنا عليك القرآن لتشقى) بل لتسعد به [142].
فالمتقون(لا يرضون من أعمالهم بالقليل)لأنهم خلقوا للنضال و العمل،لا للبطالة والكسل،و في الوقت نفسه لا يغالون في قدراتهم،و لا يخدعون أنفسهم بالغرور والمباهاة،بل يخافون من الخطأ و التقصير فلا يقنعون بالقليل لعلمهم بشرف الغايات المقصودة من العبادات و عظم ما يترتّب عليها من الثمرات، وهو العتق من النار و الدّخول في الجنة و الوصول إلى رضوان اللّه الذي هو أعظم اللّذات و أشرف الغايات.
كما أنّهم ( لا يستكثرون ) من أعمالهم ( الكثير ) ولا يعجبون بكثرة العمل ولا يعدّونه كثيرا وان أتعبوا فيه أنفسهم وبلغوا غاية جهدهم، لمعرفتهم بأنّ ما أتوا به من العبادات وإن بلغت في كثرتها غاية الغايات زهيدة قليلة في جنب ما يترتّب عليها من الثّمرات ومن الخصال.
عن الإمام الصادق (ع) قال :«قال إبليس: إذا استمكنت من ابن آدم في ثلاث لم أبال ما عمل فانّه غير مقبول: إذا استكثر عمله، و نسي ذنبه، و دخله العجب» [143].
للإنسان حياتان: باطنية و ظاهرية، والظاهر للناس، أما الباطن فلله ولصاحبه، فهو وحده من بينالخلائق يستطيع أن يتأمل دخيلته ويعرفها، ولا سبيل الى معرفة الآخرين بها إلا عن طريقه.قال تعالى:(يُنَبَّأُ الْإنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ* بَلِ الْأِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ) [144] والناس في غالبيتهم يحبون الإطراء والمدح والثناء, وهذا يلبي رغبات النفس, ولكن ذلك قد يؤدي إلى إعجاب المرء بنفسه كما تقدم, ولذلك كان للمتقين موقف آخر ينسجم مع الرغبة في تهذيب النفس والسعي في رقيها في مدارج الكمال.
(فإذا زكي أحدهم) ووصف ومدح بما فيه من محامد الأوصاف ومكارم الأخلاق ومراقبة العبادات ومواظبة الطاعات ( خاف مما يقال له ) واشمأزّ منه ( فيقول أنا أعلم بنفسي ) وبعيوبها ( من غيري، وربّي أعلم منّي بنفسي) وإنّما يشمئزّ ويخاف من التّزكية لكون الرّضا بها يوصل للعجب وللاسترخاء والتقصير.
ولعله لهذا السبب قال تعالى: (فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) [145] قال في مجمع البيان: أي لا تعظّموها و لا تمدحوها بما ليس لها فإنّي أعلم بها.
ليس هذا فحسب بل يبادر المتقي بالدعاء إلى الله قائلا :«اللهمّ لا تؤاخذني بما يقولون واجعلني أفضل مما يظنّون واغفر لي ما لا يعلمون»، فلا تؤاخذني بتزكية المزكين التي تسبب الإعجاب الموجب للسخط والمؤاخذة، واجعلني أفضل مما يظنّون في التّقوى والورع، واغفر لي الهفوات والآثام التي أنت عالم بها وهي مستورة عنهم.
«نفسه منه في عناء و النّاس منه في راحة» فهي في تعب و مشقّة لمجاهدته لها ومخالفته لهواها و حمله إيّاها على ما تكره و ردعه لها، كلّ ذلك لعلمه بأنّها أمّارة بالسّوء وأنّها له عدوّ مبين، و لذلك كان النّاس منه في راحة، لأنّ إيذاء النّاس من هوى الأنفس فإذا كان قاهراً لها على خلاف هواها يكون النّاس مأمونين من شرّها مستريحين من أذاها.
«أتعب نفسه لآخرته و أراح النّاس من نفسه» وإتعابه لنفسه إنّما هو لأجل آخرته.
يروى عن الإمام الصادق (ع) أنه قال لبعض تلامذته : أي شيء تعلمت مني؟ قال له : يا مولاي ثمان مسائل.
قال له (ع) :قصّها عليّ لأعرفها، قال : ... رأيت عداوة الناس بعضهم لبعض في دار الدنيا والحزازات التي في صدورهم، وسمعت قول الله تعالى(إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً) [146] فاشتغلت بعداوة الشيطان عن عداوة غيره [147] .
وهكذا هم المتقون اشتغلوا بعداوة الشيطان , وبجهاد أنفسهم عن عداوة وأذية الناس من حولهم .
خلاصة الدرس
إن علاقة الإنسان بنفسه ونظرته إليها يحددان مسار ومصير الإنسان, إن في جنات ونعيم ورضا الرب الغفار , أو في عذاب وجحيم وغضب الرب الجبار .
إن المراد بلوم النفس أن يعتاد الإنسان على ملاحظة نفسه في أقوالها وأعمالها وحركاتها وسكناتها ليتابعها ويراجعها حين تنحرف أو تهم بشيء من الانحراف ليعيدها إلى الصراط ويلزمها به.
إن من دلائل الإخلاص وعلامات المخلصين اتهامهم لأنفسهم بالتقصير في حق الله، وعدم القيام بالعبودية لمالك الملك
ومن الوسائل العملية التي تساعد الإنسان على الشعور بالتقصير ما يلي :
1ـ صحبة أصحاب الهمم.
2ـ قراءة سيرة الرسول (ص).
للإنسان حياتان: باطنية و ظاهرية، والظاهر للناس،أما الباطن فللّه ولصاحبه،فهو وحده من بينالخلائق يستطيع أن يتأمل دخيلته و يعرفها،و لا سبيل الى معرفة الآخرين بها إلا عن طريقه.
والناس في غالبيتهم يحبون الإطراء والمدح والثناء , وهذا يلبي رغبات النفس , ولكن ذلك قد يؤدي إلى إعجاب المرء بنفسه كما تقدم , ولذلك كان للمتقين موقف آخر ينسجم مع الرغبة في تهذيب النفس والسعي في رقيها في مدارج الكمال
(فإذا زكي أحدهم) ووصف و مدح بما فيه من محامد الأوصاف ومكارم الأخلاق و مراقبة العبادات و مواظبة الطاعات ( خاف مما يقال له ) و اشمأزّ منه ( فيقول أنا أعلم بنفسي ) وبعيوبها ( من غيري، وربّي أعلم منّي بنفسي) و إنّما يشمئزّ و يخاف من التّزكية لكون الرّضا بها يوصل للعجب وللاسترخاء والتقصير.
المتقون هم من اشتغلوا بعداوة الشيطان , وبجهاد أنفسهم عن عداوة وأذية الناس من حولهم .
أسئلة حول الدرس
1. علاقة الإنسان بنفسه تحدد مصير الإنسان, بيّن ذلك .
2. ما معنى النفس اللوامة, وهل هذا أمر إيجابي ؟
3. بيّن أهمية محاسبة النفس , وماذا يفعل المتقون في سبيل ذلك ؟
4. لماذا يأنف المتقون من مدح الناس لهم ؟
5. ما هو الموقف العملي للمتقين من مدح الناس لهم ؟
للحفظ
عن الإمام علي (ع) :
«لاَ يَرْضَوْنَ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الْقَلِيلَ، وَلاَ يَسْتَكْثِرُونَ الْكَثِيرَ وَمِنْ أَعْمَالِهِمْ مُشْفِقُونَ. فَهُمْ لأنفسهم مُتَّهِمُونَ، إِذَا زُكِّيَ أَحَدٌ مِنْهْمْ خَافَ مِمَّا يُقَالُ لَهُ، فَيَقُولُ: أَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِن غَيْرِي، وَرَبِّي أَعْلَمُ مِنِّي بِنَفْسي! اللَّهُمَّ لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا يَقُولُونَ، وَاجْعَلْنِي أَفْضَلَ مِمَّا يَظُنُّونَ، وَاغْفِرْ لِي مَا لاَ يَعْلَمُونَ. إِنِ اسْتَصْعَبَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فِي ما تَكْرَهُ لَمْ يُعْطِهَا سُؤْلَهَا فِي ما تُحِبّ».
أشعار الحكمة
بِلالُ الشيب نادى في المفارق
بحي على الذهاب وأنت غارق
ببحر الإثم لا تصغي لواعظ
وان أطرى وأطنب في المواعظ
وقلبك هائم في كل وادي
وجهلك كل يوم في ازدياد
على تحصيل دنياك الدنية
مجدا في الصباح وفى العشية
وجهد المرء في الدنيا شديد
وليس ينال منها ما يريد
وكيف ينال في الأخرى مرامه
ولم يجهد لمطلبها قُلامه
للمطالعة
زهد العلماء
من طريف ما يحكى عن حياة السيّد الإمام الخميني قدس سره، أنّه عندما كان قبيل انتصار الثورة الإسلامية في إيران كان في ضاحية باريس، وظهرت أزمة نفط في إيران ، فلم يعد باستطاعة الناس تدفئة بيوتهم إلاّ بمشقّة وعسر، قال الإمام: اتركوا غرفتي بدون تدفئة مواساةً للناس .
وجاءه شخص وقال له: إنّ عباءتي ممزّقة فساعدني، فتناول الإمام عباءته وقال له: اُنظر إنّ عباءتي أيضاً ممزّقة .
كان صاحب المعالم ابن الشهيد الثاني رحمه الله لا يدّخر أبداً ما يزيد على قوته لمدّة اُسبوع، مواساةً للفقراء والمحتاجين وحرصاً على عدم التشبّه بالأثرياء.
وكان صدر المتألّهين يقول: حيث إنّ قسماً من الذنوب ينشأ من كثرة الأكل والاهتمام بالبطن ، فيجب التقليل من الطعام، وكان دائماً يردّد بيتاً لسعدي ـ الشاعر الإيراني ـ مضمونه : « إبقِ داخلك خالياً من الطعام، لترى فيه نور المعرفة». كان يعيش البساطة، وكان يتحدّث مع الناس مباشرةً ومن دون حاجب وكاتب.
الدرس الحادي عشر : أحوال المتقين
فِي الزَّلاَزِلِ وَقُورٌ، وَفِي المكاره صَبُورٌ، وَفِي الرَّخَاءِ شَكُورٌ.
نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالتي نزلت في الرّخاء
آثار الإيمان على الحياة آثار مشرقة تنعكس على تصورات الأفراد وسلوكهم في الحياة حتى إنك لترى القرآن يمشي على الأرض في أشخاص بعض الأفراد فإليك بعض هذه الآثار.
المؤمن القوي إذا انهار الناس فهو متماسك، وإذا تشاءموا هو متفائل، وإذا يئسوا فهو راض عن الله، فهو يثق بالله عز وجل، يثق بنصره، ويعلم أنه تعالى مسبب الأسباب ومدبّر الأمور، وأنه يعامل عباده الصالحين باللطف الظاهر والخفي، وبالتالي لا يمكن أن يصاب باليأس والإحباط [148] .
إن الابتلاء سنة جارية وقدر نافذ، يبتلي الله عباده بالسراء والضراء والخير والشر، فتنة واختباراً كما قال سبحانه: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ) ، ليتميز المؤمن من غيره، والصادق من الكاذب: (ألم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ) [149] فبالفتنة تتميَّز معادن الناس، فينقسمون إلى مؤمنين صابرين، وإلى مدَّعين أو منافقين.
ثم إن الابتلاء بالسراء والرخاء قد يكون أصعب من الابتلاء بالشدة والضراء، وأن اليقظة للنفس في الابتلاء بالخير، أولى من اليقظة لها في الابتلاء بالشر.
كثير هم أولئك الذين يصبرون على الابتلاء بالمرض والضعف، ولكن قليل هم الذين يصبرون على الابتلاء بالصحة والقدرة. كثيرون يصبرون على الفقر والحرمان فلا تتهاوى نفوسهم ولا تذل، ولكن قليل هم الذين يصبرون على الغنى والثراء، وما يغريان به من متاع، وما يثيرانه من شهوات وأطماع.
والنفس المؤمنة هي التي تصبر للضراء ولا تستخفها السراء، وتتجه إلى الله في الحالين، وتوقن أن ما أصابها من الخير والشر فبإذن الله، وقد كان الله يربي هذه الجماعة وهي في مطالع خطواتها لقيادة البشرية فرباها بهذا الابتلاء بالشدة بعد الابتلاء بالرخاء، والابتلاء بالهزيمة المريرة بعد الابتلاء بالنصر العجيب، وإن يكن هذا وهذه قد وقعا وفق أسبابهما ووفق سنن الله الجارية في النصر والهزيمة لتتعلم هذه الجماعة أسباب النصر والهزيمة ولتزيد طاعة لله وتوكلا عليه.
ففي خصوص معركة أحد نزل قوله تعالى : ( إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ) [150] وقد انتصر فيها المسلمون في أول الأمر حتى هزم المشركون وقتل منهم سبعون، ثم انقلبت الأمور لصالح المشركين حينما خرج الرماة عن أمر رسول الله(ص)واختلفوا فيما بينهم فأصاب المسلمين ما أصابهم في نهاية المعركة، وتحقيقاً لسنة من سنن الله التي لا تتخلف، والله تعالى قد كتب النصر في معارك الجهاد لمن يجاهدون في سبيله لا ينظرون إلى شيء من عرض هذه الدنيا الزهيد.
إن الشدة بعد الرخاء, والرخاء بعد الشدة هما اللذان يكشفان عن معادن النفوس وطبائع القلوب ودرجة الغبش فيها والصفاء ودرجة الهلع فيها والصبر ودرجة الثقة فيها بالله أو القنوط.
عن أبي عبد الله (ع) قال: «ينبغي للمؤمن أن يكون فيه ثمان خصال: وقور في الهزاهز، صبور عند البلاء، شكور عند الرخاء، قانع بما رزقه اللهّ، لا يظلم الأعداء، ولا يتحامل للأصدقاء، بدنه منه في نصب، والناس منه في راحة، إن العلم خليل المؤمن، والحلم وزيره، والصبر أمير جنوده، والرفق أخوه، واللين والده» [151] .
إنّهم موطّنون أنفسهم على ما قدّره اللّه في حقّهم من الشدّة والرّخاء والسّراء والضّراء والضّيق والسّعة والمنحة والمحنة، فهم الراضون بقضاء الله تعالى، المسلّمون لأمره.
و فى رواية عن الإمام الصادق (ع) :«رأس طاعة اللّه الصّبر والرّضا عن اللّه في ما أحبّ العبد أو كره، و لا يرضى عبد عن اللّه في ما أحبّ أو كره إلاّ كان خيرا له في ما أحبّ أو كره» [152].
هكذا هو نتاج التربية القرآنية للمؤمنين المتقين, فالواحد منهم :
فهو في النوازل والشّدائد والحوادث العظيمة الموجبة لاضطراب النّاس متّصف بشدّة الوقار والرّزانة والسّكينة والثّبات كالجبل لا تحرّكه العواصف، والوقار من جنود العقل ويقابله الخفّة وهي الطيش والعجلة من جنود الجهل.
نزول أنفسهم منهم في البلاء كنزولها في الرخاء ، أي لا تقنط من بلاء ينزل بها و لا تبطر برخاء يصيبها ، بل مقامها في الحالين مقام الشكر.
فإنه لا غنى عن الصبر في هذه الحياة، وإذا كانت مرارة الدواء يعقبها الشفاء، فقد رتب الله على الصبر المحتسب عظيم الجزاء فقال جل من قائل: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) [153].
والصبر المشروع هنا ليس يأساً ، ولا عجزاً ، إنه الثبات على الحق، والنصح بالتي هي أحسن للخلق، والشعور بالعزة الإيمانية رغم الظلم والهضم، والثقة بنصر الله وإن علت رايات الباطل برهة من الزمن.
تحتاج للصبر على الطاعة شكراً للمنعم، وأنساً بالخالق، واستجلاباً لراحة القلب وطمأنينة النفس، وتحتاج للصبر على الطاعة لطول الطريق، وقلة الرفيق، وكثرة الأشواك.
كما تحتاج للصبر عن المعاصي ، وضعف النفس، وكيد الشيطان وغروره، وأماني النفس.
ومما يشير إلى آثار الصبر وبركته العظيمة :
قد علق خصال الخير بالصبر فقال تعالى: (وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ) [154].
وحكم بالخسران حكما عاما على كل من لم يؤمن ولم يكن من أهل الحق والصبر فقال تعالى: ( وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) [155].
إن خير العيش أدركه السعداء بصبرهم، وترقوا إلى أعالي المنازل بشكرهم، فساروا بين جناحي الصبر والشكر إلى جنات النعيم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم، يقول تعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) [156].
قال تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) [157].
الإنسان ضعيف فلابد له من معين يأخذ بيده درب الأمان والراحة والدعة، والله تبارك و تعالى هو القادر على ذلك ولا قادر سواه وقد حثنا الله على دعائه وطلب الحاجات منه وضمن لنا الإجابة لدعوتنا وما أعظمه من ضمان إنه من الله تعالى، الذي بيده أسباب كل شيء.
وإنما الملجأ إلى الله في الشدة والرخاء والسراء والضراء، ونفزع إليه في الملمات، ونتوسل إليه في الكربات بلسان الحال والمقال: اللهم عظم البلاء، وبرح الخفاء، وانكشف الغطاء، وضاقت الأرض بما وسعت السماء، وإليك يا رب المشتكى!.. وعليك المعوّل في الشدّة والرخاء فيأتي مدده ويصل إلينا عونه, ويسرع إلينا فرجه، فينجي الغريق ويرد الغائب ويعافي المبتلى وينصر المظلوم ويهدي الضال ويشفي المريض ويفرج عن المكروب، إذا وجدت الطريق إلى ربك وجدت كل شيء، وان فقدت الإيمان به فقد فقدت كل شيء كل الأبواب توصد إلا بابه، كل الطرق تغلق إلا طريقه هو قريب سميع ..مجيب يجيب المضطر إذا دعاه، قد هداك إلى الطريق : (ادعوني استجب لكم).
خلاصة الدرس
آثار الإيمان على الحياة آثار مشرقة تنعكس على تصورات الأفراد وسلوكهم في الحياة حتى إنك لترى القرآن يمشي على الأرض في أشخاص بعض الإفراد فإليكم بعض هذه الآثار.
الابتلاء سنة جارية
إن الابتلاء سنة جارية وقدر نافذ، يبتلي الله عباده بالسراء والضراء والخير والشر، فتنة واختباراً.
إن الابتلاء بالسراء والرخاء قد يكون أصعب من الابتلاء بالشدة والضراء ، وإن اليقظة للنفس في الابتلاء بالخير ، أولى من اليقظة لها في الابتلاء بالشر .
إن الشدة بعد الرخاء , والرخاء بعد الشدة هما اللذان يكشفان عن معادن النفوس وطبائع القلوب ودرجة الغبش فيها والصفاء ودرجة الهلع فيها والصبر ودرجة الثقة فيها بالله أو القنوط.
نتاج التربية القرآنية للمؤمنين المتقين , فالواحد منهم :
في الزّلازل وقور
فهو في النوازل و الشّدائد و الحوادث العظيمة الموجبة لاضطراب النّاس متّصف بشدّة الوقار و الرّزانة و السّكينة و الثّبات كالجبل لا تحرّكه العواصف
وفي المكاره صبور
فإنه لا غنى عن الصبر في هذه الحياة، وإذا كانت مرارة الدواء يعقبها الشفاء، فقد رتب الله على الصبر المحتسب عظيم الجزاء.
وفي الرّخاء شكور
إن خير العيش أدركه السعداء بصبرهم، وترقوا إلى أعالي المنازل بشكرهم، فساروا بين جناحي الصبر والشكر إلى جنات النعيم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. الإنسان ضعيف فلابد له من معين يأخذ بيده درب الأمان والراحة والدعة، والله تبارك و تعالى هو القادر على ذلك ولا قادر سواه وقد حثنا الله على دعائه وطلب الحاجات منه وضمن لنا الإجابة لدعوتنا وما أعظمه من ضمان إنه من الله تعالى، الذي بيده أسباب كل شيء.
أسئلة حول الدرس
1. ما الذي يميز المؤمن الصادق عن غيره؟
2. متى يظهر معدن الإنسان, وما هو دور الابتلاء؟
3. بيّن أحوال الناس في الابتلاء من خلال معركة أحد .
4. ما هو حال المتقين في الزلازل والمكاره والرخاء ؟
5. كيف السبيل إلى تحقيق حالة التوازن , وعدم الجنوح إلى حالتي الإفراط أو التفريط في حالات الشدة والرخاء؟
للحفظ
عن الإمام علي (ع) :
«فِي الزَّلاَزِلِ وَقُورٌ، وَفِي المكاره صَبُورٌ، وَفِي الرَّخَاءِ شَكُورٌ.
نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالتي نزلت في الرّخاء ».
أشعار الحكمة
باتوا على قلل الأجبال تحرسهم
غلب الرجال فما أغنتهم القللُ
واستنزلوا بعد عز عن معاقلهم
فأودعوا حفراً يا بئس ما نزلوا
ناداهم صارخ من بعد ما قبروا
أين الأسرة والتيجان والحللُ ؟
أين الوجوه التي كانت منعمةً ؟
من دونها تضرب الأستار والكلل
فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم
تلك الوجوه عليها الدود يقتتل
قد طالما أكلوا دهراً وما شربوا
فأصبحوا بعد طول الأكل قد أُكلوا
وطالما عمروا دوراً لتحصنهم
ففارقوا الدور والأهلين وانتقلوا
وطالما كنزوا الأموال وادخروا
فخلفوها على الأعداء وارتحلوا
أضحت منازلهم قفرا معطَّلةً
وساكنوها إلى الأجداث قد رحلوا
للمطالعة
نقل السيد ( آقا معين الشيرازي ) من سكان مدينة طهران فقال: خرجت يوماً مع أحد أبناء عمي في شارع طهران ووقفنا ننتظر سيارة أجرة لتقلنا إلى مكان بعيد نبتغيه، وقفنا نصف ساعة كلما مرت سيارة أجرة كانت إما مملوءة بالركاب أو خالية لكن لم تتوقف، وعندما تعبنا أتت سيارة أجرة وتوقف بها سائقها وقال لنا: تفضلوا أيها السادة لأنقلكم حيث تشاؤون. ركبنا السيارة وأخبرناه بمقصدنا.
وفي الطريق قلت لابن عمي: الحمدلله أن وجدنا أخيراً في طهران سائقاً مسلماً رقَّ قلبه لحالنا وأقلنا.
لما سمع السائق كلامي قال: أيها السادة في الحقيقة أنا لست مسلماً، بل أرمني.
قلت: إذن فلم لاحظت حالنا؟
قال: مع إني لست مسلماً لكني أعتقد بعلماء الإسلام ومن يلبس لباس أهل العلم، واعتقد أن احترامهم واجب لما رأيت منهم.
قلت: وما رأيت منهم؟
قال: عندما حكم على الشيخ ( صادق مجتهد التبريزي ) بالنفي من تبريز إلى طهران تم نقله بسيارتي، وفي الطريق اقتربنا من شجرة ونبع ماء، فقال لي الشيخ: توقف بجنبهما لأصلي الظهر والعصر. لكن الضابط الذي كان مكلفاً بمرافقتي حتى منفاه قال لي: لا تعتني بكلامه وتابع سيرك. وهكذا فعلت، وعندما وصلنا بمحاذاة الماء توقفت السيارة لوحدها، ونزلت لأحاول تشغيلها ومعرفة علة توقفها فلم أهتدِ ولم أوفق. عندها قال الشيخ للضابط: ما دامت السيارة متوقفة فدعني أصلي. سكت الضابط وترجّل الشيخ وصلى، وانشغلتُ بالبحث عن علة توقف السيارة، وبعد أن فرغ الشيخ من صلاته اشتغلت السيارة لوحدها. ومنذ ذلك الحين علمت أن لأهل هذا اللباس احتراماً وكرامة عند رب العالم.
الدرس الثاني عشر : المواعظ البالغة
قال الإمام علي (ع) حين أصاب همام صعقة كانت فيها نفسه: هكَذَا تَصْنَعُ الْمَوَاعِظُ البَالِغَةُ بِأَهْلِهَا!
الموعظة من وعظ، وهو النصح والتذكير بالعواقب، وهو تذكيرك للإنسان بما يلين قلبه من ثواب وعقاب.
وقد وردت كلمة موعظة في القرآن الكريم في موارد متعددة، منها على سبيل المثال، قوله تعالى: (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ) [158] أي وحذّرهم وخوفهم.
وقوله تعالى: (يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) [159]. أي ينهاكم ويحذركم.
وكما في قوله تعالى: (إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) [160] وهو زجر مقترن بالتخويف.
وكذلك قوله تعالى: ( وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ...) [161].
وفي قوله تعالى: (يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) [162]. أي يذكركم لعلكم تتذكرون.
إن الإنسان بطبعه اجتماعي يتفاعل مع محيطه، ويمكن أن يتأثر به سلباً أو إيجاباً، والموعظة الحسنة تشكّل عاملاً خارجياً يأخذ بيد الإنسان ليساعده على تخطي فتن الدنيا وزخارفها وشبهاتها، وتتأكد ضرورتها عند غفلة الإنسان وخمود أو خمول الواعظ الداخلي فيه ، حيث يصبح لها الدورالأساسي في النجاة من النار، وهذا ما يعترف به المجرمون في الآخرة :( لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ) [163] كما نقل القرآن الكريم على لسانهم.
وقد أكد القرآن الكريم على أسلوب الموعظة فقال : (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) [164]. فعليك أن تمارسها كأسلوب من أساليب الدعوة إلى الله تعالى وهي نافعة ومفيدة، إذ تفتح أبواب هداية المؤمنين: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ) [165].
إن الموعظة تؤثر أثرها في المؤمن بشكل خاص ، لأنه يستحضر الالتزام الشرعي في أموره ، وقد تغيب عنه بعض التفاصيل، أو يدفعه هواه بالاتجاه الخاطئ، فيكون دورها دور المنبه للضمير المذكر بالمسؤولية الشرعية والرقابة الإلهية .( وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) [166].
فربّ موعظة ردعت عن عمل ظالم وفاسد لسبب أو لآخر وأنقذت جيلاً أو أبطلت بدعة، ورب موعظة تركت أثراً بسيطاً يتراكم مع غيرها من المواعظ والأساليب الأخرى لتؤثر أثرها وتحدث التغيير المنشود، وإن لم تفعل ذلك كله فهي على الأقل تلقي الحجة على الآخرين وتبرئ ذمة الواعظ.
إن الإسلام دين يخاطب العقل والوجدان، ولا يهمل شيئاً من الجوانب الإنسانية على حساب جوانب أخرى . ولكل من العقل والوجدان أساليب تناسبه وتنفذ إليه. فالدليل والبرهان والمقارنة أساليب تخاطب العقل بقصد تأهيله إلى إدراك المعارف الموصلة إلى اللَّه، فيقول اللَّه سبحانه وتعالى في خطاب للعقل: ( وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ❊ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) [167] .
وجعل التأمل والنظر وإثارة الشعور وأساليب لمخاطبة الوجدان لكي تسمو الروح وتكتسب القدرة على التذوق الرفيع الذي يوصلها إلى حب اللَّه. يقول اللَّه سبحانه وتعالى في خطاب الوجدان: ( أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ * أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) [168] .
الله تبارك وتعالى أنزل القرآن على قلب النبي محمد(ص)ووصفه بصفات كثيرة تربو على الأربعين، ومن هذه الأوصاف وصفه بأنه (موعظة)، وقريب من هذا المعنى وصفه بأنه (ذكرى)، وهذا أمرٌ يلمسه كلُّ من قرأ القرآن، ويعظم وقع هذه المواعظ على النفس حينما تُقرأُ بقلب حاضر، وسمع متصل بقلب شاهد: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيد) [169].
يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِين) [170] فالوعظ والموعظة جاءت في القرآن وصفا للقرآن الكريم كما جاءت من مهمات النبوة ونَفَر من المؤمنين.
بل قيل في تفسير قوله تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) [171] : إن الموعظة الحسنة هي مواعظ القرآن، وكذا قيل في تفسير قوله سبحانه: (فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ) [172] أي: عن مواعظ القرآن.
وما القصص القرآني النوراني، أو النبوي المبارك؛ إلا وسيلة من وسائل التربية لكل الأمة، ليس المقصود منها سرد القصص وتدوين التاريخ بقدر ما تكون «العبرة» والإتعاظ هي الخطوة الأولى التي يجب أن تكون في وجدان المتلقي، حتى تكون نافعة له،(لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) [173] .
هناك عناصر عديدة تساهم في بلوغ الموعظة مداها الأقصى في النجاح لتصبح بالغة كما يعبر الإمام في هذه الخطبة, هي بمثابة عوامل مساعدة تهيئ البيئة الأفضل للإفادة وبلوغ الأهداف المتوخاة نذكر بعضاً منها :
1ـ تخير الوقت المناسب والجو النفسي المهيأ للسماع:
إن للزمان والمكان أهمية خاصة تستدعي رعايتها، وقد روي عن أمير المؤمنين أنه قال:«ومجتني الثمرة لغير وقت إيناعها كالزارع بغير أرضه» [174] .
وكان الإمام علي (ع) كثيراً ما ينتهز المناسبة لمن يريد وعظهم وإرشادهم، لتكون أبلغ في التأثير، وأفضل للفهم والمعرفة. وكمثال على ذلك فإنه لما رجع الإمام علي (ع) من صفين وأشرف على القبور قال: «يا أهل الديار الموحشة، والمحال المقفرة، والقبور المظلمة، يا أهل التربة، يا أهل الغربة، ويا أهل الوحشة، أنتم لنا فرط سابق، ونحن لكم تبع لاحق».
أما الدور فقد سكنت، وأما الأزواج فقد نكحت، وأما الأموال فقد قسمت، هذا خبر ما عندنا، فما خبر ما عندكم؟»، ثم التفت إلى أصحابه فقال: «أما لو أذن لهم في الكلام لأخبروكم أن خير الزاد التقوى».
فالإمام (ع) وهو عند القبور، أخذ في وعظ أصحابه وبيّن لهم أحوال أصحابها وخلُص إلى أن خير الزاد التقوى.
2ـ اللين في الخطاب والشفقة في النصح:
على المؤمن والواعظ أن يكون ليناً في الخطاب، فقد كان الرسول(ص)لين الكلام بشوش الوجه، وكان دائم البسمة في وجوه أصحابه لا يقابل أحداً بسوء (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) [175].
ويرسل اللَّه موسى وهارون(ع) إلى فرعون أطغى الطواغيت، ويأمرهما باللين معه فيقول: (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) [176].
3ـ الحديث المتناسب ومراعاة أحوال المخاطبين:
إن اللَّه عزَّ وجلَّ خلق الناس لهم طبائع متعددة، وعقول متفاوتة، ومشارب متنوعة، يقول عزَّ وجلَّ: (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ) [177] ، ويقول: (إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى) [178] ، ولذا علينا أن نعامل الناس كل حسب قدراته العقلية والنفسية والبدنية، فالأسلوب الناجع مع الكبار قد لا يناسب الشباب أو الأطفال وهكذا، وقد كان قدوة الدعاة والمبلغين والمثل الأعلى لهم النبي(ص)يراعي تلك الأمور، فيعامل الناس على حسب سن وعلم وطاقة كل منهم.
4ـ التآلف مع الناس:
ينبغي للمؤمن أن يتآلف مع الناس بالنفع، فيقدم لهم نفعاً، فليست مهمة الواعظ والناصح فقط أن يلاحقهم بالكلام! أو يلقي عليهم الخطب والمواعظ! لكن يفعل كما فعل رسولنا(ص)، يتألفهم مرة بالهدية، ومرة بالزيارة، فإن رسول اللَّه(ص)دعا الناس وآلفهم وأعطاهم وأهدى لهم، بل كان يعطي الواحد منهم مائة ناقة، وكان يأخذ الثياب الجديدة، وكان يعانق الإنسان ويجلسه مكانه، فهذا من التآلف.
5ـ حسن المظهر:
إن سوء المظهر في الصورة واللباس ينفّر الناس، فنظافة اللباس من أهم العلامات الدالة على شخصية الإنسان وتربيته وثقافته، والناس يحبون الجمال والنظافة بصورة فطرية. ولهذا كان رسول اللَّه(ص)يولي اهتماماً كبيراً بنظافة الملبس والجسم والأسنان حتى أن الناس كانوا يتحدثون عن عطره الفواح، وقد روي عن الإمام الصادق (ع) : «كان رسول اللَّه(ص)ينفق على الطيب أكثر مما ينفق على الطعام»[179] .
وعنه أيضاً أن النبي(ص) قال: «ما زال جبرائيل يوصيني بالسواك حتى خفت أن أحفى» [180] .
ولقد قال يوماً لأصحابه: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر»، فقال رجل: يا رسول اللَّه، إني رجل أولعت بالجمال في كل شيء، حتى ما أحب أن يفوقني أحد بشراك نعل. فهل هذا من الكبر؟ فقال(ص): « إن اللَّه جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق، وغمط الناس » [181] .
(اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَاد) [182].
إن الإنسان الذي لا يزال يملك صفاءً في قلبه ونقاءً في روحه لا يمكنه إلا أن يتأثر بالموعظة ويلين لها قلبه فيهتدي بها ويستضيء بنورها ،تأمل وصف الله تعالى لقلوب أهل الإيمان عند سماع الوعد والوعيد، فهي تقشعر خوفاً من الوعيد، ثم تلين وترجو عند الوعد. ويزداد خوف المؤمن القارئ للقرآن الكريم حينما يقرأ الآية التي قبلها، وهي قوله تعالى: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) [183]. وعلى المؤمن أن يحافظ على صفاء نفسه ويستمع الموعظة بأُذن قلبه ليبصر نورها بعين البصيرة، فهي تؤثر أثرها في أصحاب القلوب الواعية, فتهذب سلوكهم, وتضيء قلوبهم, وتخشع لها جوارحهم.
وقد تقف بعض العوائق لتمنع الإنسان من التفاعل مع الموعظة، كما قال تعالى: (وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ) [184] ، يصمون آذانهم عن سماع الموعظة .
بل إن أكثر الناس مبتلون بمثل هذه العوائق، كما تشير الرواية عن الإمام علي (ع) :«ما أكثر العبر و أقل الاعتبار» [185].
هذه العوائق والحجب التي تشكلها العديد من العناصر، كالغفلة، كما في الرواية عن الإمام علي (ع) «بينكم و بين الموعظة حجاب من الغرة» [186] ، المراد بالغرة هنا الغفلة و النسيان..فنحن نؤمن بالله و اليوم الآخر بلا شك وبلا تردد .. و مع هذا ننسى الله. و نذهل عن الآخرة و حسابها و عقابها. وكحب الدنيا ، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: (كلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ) [187].
كلمة تحبون تومئ إلى أن في الإنسان من يستعجل ويسعى وراء المنفعة العاجلة و إن صغرت دون الآجلة و إن عظمت.
ولكن المتقين هم أهل الموعظة، وتؤثر أثرها في نفوسهم وقد تودي بهم كما قال الإمام (ع) عندما خرّ همام صعقاً «هكَذَا تَصْنَعُ الْمَوَاعِظُ البَالِغَةُ بِأَهْلِهَا» (وإن كان آخرون يمنعهم الأجل من ان يردوا هذا المورد).
خلاصة الدرس
الموعظة من وعظ، وهو النصح والتذكير بالعواقب، وهو تذكيرك للإنسان بما يلين قلبه من ثواب وعقاب.
إن الإنسان بطبعه اجتماعي يتفاعل مع محيطه، ويمكن أن يتأثر به سلباً أو إيجاباً، والموعظة الحسنة تشكّل عاملاً خارجياً يأخذ بيد الإنسان ليساعده على تخطي فتن الدنيا وزخارفها وشبهاتها، وتتأكد ضرورتها عند غفلة الإنسان وخمود أو خمول الواعظ الداخلي فيه ، حيث يصبح لها الدورالأساسي في النجاة من النار.
إن الإسلام دين يخاطب العقل والوجدان، ولا يهمل شيئاً من الجوانب الإنسانية على حساب جوانب أخرى . ولكل من العقل والوجدان أساليب تناسبه وتنفذ إليه.
الله تبارك وتعالى أنزل القرآن على قلب النبي محمد(ص)ووصفه بصفات كثيرة تربو على الأربعين، ومن هذه الأوصاف وصفه بأنه (موعظة)، وقريب من هذا المعنى وصفه بأنه (ذكرى)، وهذا أمرٌ يلمسه كلُّ من قرأ القرآن، ويعظم وقع هذه المواعظ على النفس حينما تُقرأُ بقلب حاضر، وسمع متصل بقلب شاهد.
هناك عناصر عديدة تساهم في بلوغ الموعظة مداها الأقصى في النجاح لتصبح بالغة كما يعبر الإمام في هذه الخطبة
1ـ تخير الوقت المناسب والجو النفسي المهيأ للسماع
2ـ اللين في الخطاب والشفقة في النصح
3ـ الحديث المتناسب ومراعاة أحوال المخاطبين
4ـ التآلف مع الناس
5 ـ حسن المظهر
إن الإنسان الذي لا يزال يملك صفاءً في قلبه ونقاءً في روحه لا يمكنه إلا أن يتأثر بالموعظة ويلين لها قلبه فيهتدي بها ويستضيء بنورها ، وقد تقف بعض العوائق لتمنع الإنسان من التفاعل مع الموعظة.
هذه العوائق والحجب التي تشكلها العديد من العناصر، كالغفلة ، وحب الدنيا
فنحن نؤمن بالله و اليوم الآخر بلا شكو تردد .. و مع هذا ننسى الله. و نذهل عن الآخرة و حسابها و عقابها.
أسئلة الدرس
1. ماذا تعني الموعظة ؟
2. لماذا الموعظة , وما هو دورها ؟
3. هل القرآن الكريم موعظة ؟ بيّن ذلك .
4. أذكر بعضاً من مضامين مواعظ أمير المؤمنين (ع) .
5. أذكر أصناف الناس إزاء الموعظة , ومن الذي ينتفع بها ويستجيب لها .
للحفظ
يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز:
(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ)
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ)
(اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَاد).
أشعار الحكمة
أرى عمري مؤذنا بالذهاب
تمر لياليه مر السحابِ
وتفجأني بيض أيامه
فتسلخ مني سواد الشبابِ
فمن لي إذا حان مني الحمام
ولم استطع منه دفعا لما بي
ومن لي إذا قلبتني الأكف
وجردني غاسلي من ثيابي
ومن لي إذا صرت فوق السرير
وشيل سريري فوق الرقابِ
ومن لي إذا ما هجرت الديار
وعوضت عنها بدار الخرابِ
ومن لي إذا آب أهل الوداد
عني و قد يئسوا من إيابي
ومن لي إذا ناولني الكتاب
ولم ادر ماذا أرى في كتابي
ومن لي إذا امتازت الفرقتان
أهل النعيم و أهل العذابِ
وكيف يعاملني ذو الجلال
فاعرف كيف يكون انقلابي
أباللطف و هو الغفور الرحيم
أم العدل وهو شديد العقابِ
و لكن كيف تحرق النار رجلا مشت
إلى حرم منه سامي القبابِ
و هل تحرق النار قلبا أذيب
بلوعة نيران ذلك المصابِ
للمطالعة
الوحيد البهبهاني
بلغ زهد الوحيد البهبهاني حدّاً بحيث إنّ ثيابه كانت من ( الكرباس الرديء) ـ نوع من القماش ينسج باليد ـ وغالباً ما كانت زوجته المكرّمة هي التي تهيّؤها وتنسجها.
ولم يكن يرغب أبداً بألبسة الدنيا وأقمشتها لم يبالِ أبداً بجمع زخارف الدنيا التي كانت في متناول أصغر طلابه وبأدنى التفاتة منه ، واعتزل الذين يكنزون الذهب ، واجتنب معاشرتهم ومحادثتهم .
وكان يأنس بالفقراء ويواسيهم في مأكلهم وملبسهم ، وكان يطلب من أسرته أن يراعوا ذلك لكي يقتدي الناس به وبعائلته .
السيد الطباطبائي قدوة المتقين
لا يمكن الإحاطة بشخصية السيد الطباطبائي، فقد جسَّد في سلوكه كلَّ معاني التقوى والأخلاق الحسنة، فكان مخلصاً لله، ودائم الذكر والدعاء، ومما يؤثر عنه، أنه كان مواظباً على أداء المستحبات، ولديه في شهر رمضان برنامج متنوع موزع بين العبادة والتأليف وقـراءة القرآن وقراءة دعاء السحر الذي كان يهتم به اهتماماً كبيراً، حيث كان يرتله بحضور أفراد عائلته.
كان العلامة بسيطاً متواضعاً في جميع شؤون حياته، فكان يعيش في مسكن متواضع، وكان يلبس القماش العادي، ومما يؤثر عنه، أنه لم يعتمد طول حياته في تيسير أموره المعاشية على الحقوق الشرعية، بل كان يعتمد في سد احتياجاته على واردات قطعة أرض زراعية صغيرة ورثها عن أجداده في تبريز.
وكان شديد التواضع والاحترام لأساتذته، وبالخصوص أستاذه في الأخلاق آية اللّه القاضي الطباطبائي، كما كان متواضعاً مع طلابه، حيث كان يرفض أن يناديه طلابه بكلمة أستاذ، وكان يقول: أنا وأنتم عبارة عن مجموعة جئنا إلى الدرس لغرض العمل سوية، للتعرف على حقائق الإسلام.
[1] سورة فاطر: الآية 15.
[2] سورة المؤمنين: الآية 115.
[3] سورة الذاريات: الآية 56.
[4] المجلسي- محمد باقر - بحار الأنوار- مؤسسة الوفاء ,الطبعة الثانية المصححة – ج 5 ص 157.
[5] المجلسي- محمد باقر - بحار الأنوار- مؤسسة الوفاء ,الطبعة الثانية المصححة – ج 5 ص 312
[6] سورة النحل الآية 76.
[7] الزخرف الآية : 32.
[8] نهج البلاغة , الكلمات القصار, رقم 379.
[9] الوسائل , ج12 , ص 43
[10] الشيخ الصدوق ـ من لا يحضره الفقيه ـ جامعة المدرسين ـ الطبعة الثانية 1404 هـ ـ ج 3 ص 157 .
[11] الغرر 1/161
[12] الغرر 1/188
[13] الغرر 1/194
[14] الغرر1/233
[15] الغرر2/106.
[16] نهج البلاغة ج1 خ 12
[17] الريشهري- محمد محمدي - ميزان الحكمة- دار الحديث , الطبعة الأولى- ج2 ص 1377
[18] نهج البلاغة ج2 خ 191
[19] نهج البلاغة ج2 خ 230
[20] نهج البلاغة ج2 خ 191
[21] نهج البلاغة ج2 خ 191
[22] الأعراف/96
[23] الطلاق/3
[24] الطلاق/4
[25] الطلاق/2
[26] المجلسي-محمد باقر -بحار الأنوار- مؤسسة الوفاء ,الطبعة الثانية المصححة –ج71 ص 256
[27] صفات الشيعة للشيخ الصدوق ص32 ح47
[28] الشعراء : 115
[29] المجلسي-محمد باقر -بحار الأنوار- مؤسسة الوفاء ,الطبعة الثانية المصححة –ج 67 ص 138
[30] الكهف: 66
[31] المجلسي-محمد باقر -بحار الأنوار- مؤسسة الوفاء ,الطبعة الثانية المصححة –ج1 ص 177
[32] يوسف: 108
[33] العلق:6-7
[34] المؤمنون/2
[35] الطبرسي- المحقق النوري - مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل- مؤسسة أهل البيت لإحياء التراث -الطبعة الأولى – ج5 ص 417
[36] البقرة : 273
[37] المؤمنون/51
[38] الصدوق – الشيخ - الوفاة : 381– معاني الأخبار- مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة ، ص 367، ح1.
[39] نهج البلاغة الكلمات القصار , 219
[40] الشيخ الكليني-الكافي- دار الكتب الإسلامية ,آخوندي-الطبعة الثالثة - ج2 ص 148
[41] الشيخ الكليني-الكافي- دار الكتب الإسلامية ,آخوندي-الطبعة الثالثة - ج2 ص 320
[42] الحر العاملي - محمد بن الحسن - وسائل الشيعة - مؤسسة أهل البيت - الطبعة الثانية 1414 ه.ق.- ج 12 ص 182 ح 16023.
[43] الحر العاملي - محمد بن الحسن - وسائل الشيعة - مؤسسة أهل البيت - الطبعة الثانية 1414 ه.ق.- ج 12 ص 185 ح 16034
[44] الحر العاملي - محمد بن الحسن - وسائل الشيعة - مؤسسة أهل البيت - الطبعة الثانية 1414 ه.ق.- ج 12 ص 187 ح 16040
[45] الشيخ الكليني-الكافي- دار الكتب الإسلامية ,آخوندي-الطبعة الثالثة - ج2 ص 149
[46] الشيخ الكليني-الكافي- دار الكتب الإسلامية ,آخوندي-الطبعة الثالثة - ج2 ص 124
[47] سورة النحل: 97
[48] سورة البقرة : 273
[49] لقمان:6
[50] الشيخ الكليني-الكافي- دار الكتب الإسلامية ,آخوندي-الطبعة الثالثة - ج6 ص 434
[51] النور/30
[52] الشيخ الكليني-الكافي- دار الكتب الإسلامية,آخوندي-الطبعة الثالثة - ج2 ص 80
[53] الريشهري- محمد محمدي - ميزان الحكمة- دار الحديث , الطبعة الأولى- ج1 ص 20
[54] النساء / الآية 60.
[55] النور/ 33
[56] الشيخ الكليني-الكافي- دار الكتب الإسلامية ,آخوندي-الطبعة الثالثة - ج 2 ص 79
[57] الزمر: 9
[58] المجلسي- محمد باقر - بحار الأنوار- مؤسسة الوفاء , الطبعة الثانية المصححة – ج 55 ص 199 , من دعاء الإمام السجاد(ع) في الليل والنهار
[59] المزمل: 1/7.
[60] طه : 14
[61] الرازي – وفاة 206- التفسير الكبير ج23 ص 77
[62] المجلسي- محمد باقر -بحار الأنوار- مؤسسة الوفاء ,الطبعة الثانية المصححة –ج81 ص 260
[63] طه : 108.
[64] العنكبوت :45.
[65] البقرة :45.
[66] الحديد :4.
[67] المجلسي- محمد باقر - بحار الأنوار- مؤسسة الوفاء , الطبعة الثانية المصححة – ج 77 ص 347
[68] الحشر : 21.
[69] فاطر : 32.
[70] الإسراء: 79.
[71] السجدة : 16/17.
[72] مستدرك الوسائل: 5/207 باب 28
[73] التهذيب 2: 121 باب 8 ح225
[74] الاسراء: من الآية9
[75] المائدة: من الآية16
[76] فصلت:30 - 31
[77] النحل:97
[78] الجاثـية:21
[79] الحج: 38
[80] المزمل/4
[81] الهذ : سرعة القراءة.
[82] سورة ص - 29
[83] الشيخ الكليني- الكافي- دار الكتب الإسلامية , آخوندي- الطبعة الثالثة - ج 2 ص 609
[84] المجلسي- محمد باقر - بحار الأنوار- مؤسسة الوفاء , الطبعة الثانية المصححة –ج 82 ص 50
[85] الصحيفة السجادية دعاء ختم القرآن
[86] الهاجرة : نصف النهار عند زوال الشمس.
[87] الشيخ الكليني-الكافي- دار الكتب الإسلامية ,آخوندي-الطبعة الثالثة - ج 2 ص 53
[88] الإسراء 82
[89] سورة ص -29
[90] سورة الأنعام: 73
[91] البقرة:2-3
[92] السبزواري - عبد الأعلى - مواهب الرحمن ، ج1 ، ص 89
[93] النجم : 39
[94] الأنفال: من الآية :60
[95] الحجرات : 15
[96] روح الله - الإمام الخميني، سر الصلاة، ص41
[97] التكاثر: 1 - 8
[98] الواقعة : 92-96
[99] المجلسي- محمد باقر - بحار الأنوار- مؤسسة الوفاء ,الطبعة الثانية المصححة – ج 17 ص 14
[100] النساء / 139
[101] البقرة / 165
[102] المجلسي-محمد باقر -بحار الأنوار- مؤسسة الوفاء ,الطبعة الثانية المصححة – ج 67 ص 225
[103] نهج البلاغة ج1 خطبة 28
[104] نهج البلاغة ج4 خطبة 131
[105] نهج البلاغة ج4 خطبة 131
[106] يونس:8
[107] النجم 29/30.
[108] نهج البلاغة ج4 حكمة 103
[109] نهج البلاغة ج4 حكمة 269
[110] نهج البلاغة / خطبة 209
[111] سورة الكهف :45.
[112] نهج البلاغة الكلمات القصار الكلمة 180
[113] المجلسي-محمد باقر -بحار الأنوار- مؤسسة الوفاء ,الطبعة الثانية المصححة –ج1 ص 113
[114] الحجرات: من الآية11
[115] النساء : 36
[116] المجلسي-محمد باقر -بحار الأنوار- مؤسسة الوفاء ,الطبعة الثانية المصححة –ج64ص 341
[117] الشيخ الكليني-الكافي- دار الكتب الإسلامية ,آخوندي-الطبعة الثالثة - ج2 ص 359
[118] ابراهيم:7
[119] المجلسي-محمد باقر -بحار الأنوار- مؤسسة الوفاء ,الطبعة الثانية المصححة –ج 90، ص 217.
[120] النور: من الآية22.
[121] آل عمران: من الآية134.
[122] البقرة: من الآية237.
[123] الشيخ الكليني-الكافي- دار الكتب الإسلامية ,آخوندي-الطبعة الثالثة - ج 2 ص 108
[124] البقرة:14
[125] القصص:55
[126] الشيخ الكليني-الكافي- دار الكتب الإسلامية ,آخوندي-الطبعة الثالثة - ج1 ص 39
[127] الشيخ الكليني-الكافي- دار الكتب الإسلامية ,آخوندي-الطبعة الثالثة - ج 5 ص 159
[128] من لايحضره الفقيه ج3 ص165
[129] الفتح: من الآية29
[130] نهج البلاغة ج3 وصيته عليه السلام لابنه الإمام الحسن عليه السلام .
[131] هود:101
[132] سفينة البحار ج1 ص671 .
[133] القيامة:2
[134] الحجرات: من الآية12
[135] يوسف:53
[136] المجلسي-محمد باقر -بحار الأنوار- مؤسسة الوفاء ,الطبعة الثانية المصححة –ج 67 ص 36
[137] المجلسي-محمد باقر -بحار الأنوار- مؤسسة الوفاء ,الطبعة الثانية المصححة –ج 74ص 86
[138] المجلسي-محمد باقر -بحار الأنوار- مؤسسة الوفاء ,الطبعة الثانية المصححة –ج 67 ص 65
[139] المؤمنون:60.
[140] الحر العاملي - محمد بن الحسن - وسائل الشيعة - مؤسسة أهل البيت - الطبعة الثانية 1414 ه.ق.- ج15 ص 313
[141] الشيخ الكليني-الكافي- دار الكتب الإسلامية ,آخوندي-الطبعة الثالثة - ج2 ص 73
[142] المجلسي-محمد باقر -بحار الأنوار- مؤسسة الوفاء ,الطبعة الثانية المصححة –ج 10 ص 40
[143] الحر العاملي - محمد بن الحسن - وسائل الشيعة - مؤسسة أهل البيت - الطبعة الثانية 1414 ه.ق.- ج1 ص 98
[144] القيامة:13-14
[145] النجم: من الآية32
[146] فاطر: من الآية6
[147] الريشهري- محمد محمدي - ميزان الحكمة- دار الحديث , الطبعة الأولى- ج 3 ص 2103
[148] الأنبياء: من الآية35
[149] العنكبوت 1-2
[150] آل عمران 140- 141
[151] الشيخ الكليني-الكافي- دار الكتب الإسلامية ,آخوندي-الطبعة الثالثة - ج 2 ص 181
[152] الشيخ الكليني-الكافي- دار الكتب الإسلامية ,آخوندي-الطبعة الثالثة - ج2 ص 60
[153] الزمر: من الآية10 .
[154] القصص: من الآية80.
[155] العصر:1-3.
[156] ابراهيم:7
[157] غافر:60.
[158] النساء: 63
[159] النور: 17
[160] هود: 46
[161] النساء: 34.
[162] النحل: 90
[163] الملك/10
[164] النحل/125
[165] يونس/57
[166] الذاريات/55
[167] يس: 78 - 79.
[168] النمل: 62 63.
[169] ق:37
[170] يونس/57
[171] النحل:125
[172] المدثر:49
[173] يوسف: من الآية111
[174] نهج البلاغة ج1 الخطبة 5
[175] آل عمران: 159
[176] طه: 44.
[177] هود: 118
[178] الليل: 4
[179] البحار 16 248
[180] المجلسي-محمد باقر -بحار الأنوار- مؤسسة الوفاء ,الطبعة الثانية المصححة – ج 16 ص 260
[181] الريشهري- محمد محمدي - ميزان الحكمة- دار الحديث , الطبعة الأولى- ج3 ص 2652
[182] الزمر:23
[183] الزمر:22
[184] يوسف/105
[185] نهج البلاغة الكلمات القصار , رقم 297
[186] نهج البلاغة الكلمات القصار , رقم 282
[187] القيامة: 20/21